الذّريّة الصّالحة بين أصالة النّسب وحسن التّربية

 الذّريّة الصّالحة بين أصالة النّسب وحسن التّربية

إنَّ مسألة النَّسَب من المسائل البعيدة الغور في معانيها لارتباطها بسرٍّ من أسرار الحياة الكبرى، والَّتي عَجَزَتْ عن تدبُّرها عقول الأساطين من أهل العلم والمعرفة، وهو حفظ النَّوع وبقاء النَّسل، والَّذي يجري على قانون مُطَّرِد في جميع طبقات الأَحياء.

وهي مسأَلة وردت في معرض المدح في الكتاب المنزَل، وعلى أَلْسِنَة الأنبياء العظماء، مع أَنَّها ليست من المسائل الكَسْبِيَّة الَّتي تعطي الإنسان فرصة الارتقاء في معراج العلم والعمل.

فالولادة والقرابة سُنَّة طَبِيعِيَّة، وَلَكِنَّها متعلِّقة بغايات معنويَّة، تقتضي استمرار المواريث الرُّوحيَّة من الآباء وآباء الآباء إلى الأَبناء وأَبناء الأَبناء، حتَّى يصل الإنسان في رحلة الزَّمَن إِلى محطَّات موعودة، وأَهداف مرصودة.

وتبقى الوصيَّةُ الكُبْرى لِأُولي الأَرحام، طاعة الله وعدم الإشراك به، وكلُّ صِلَة تتعارض مع هذا المبدأ المقدَّس، ينبغي عدم الالتفات إِليها، ولكن تُحفَظ صِلَة الأرحام فيما لا يتنافى مع الوصيَّة العُظمى، كما قال تعالى:﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَى مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾(العنكبوت:8)، وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وقصَّةُ إِبراهيم الخليل (ع) مع والده “آزَر” مُنَدِّداً بعبادته الأصنام، وما ورد في قصَّة نوح (ع) مع ولده الَّذِي أَنْبَأَه الله عزَّ وجلَّ باستحقاقه للغرق لأنَّه لم يكن صالحًا، واضحة في المسطور وبَيِّنة. وقال تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾(آل عمران: 33-34).

وَكَأَنَّ أَسْهَل الطُّرُق، وأَكملها استقامة في نقل المواريث الرُّوحيَّة هو سبيل النَّسَب والذُّرِّيَّة المتعاقبة، ولكن شَرْطها الأَساس لِنَيْل العهود الدِّينيِّة الإيمان والهدى، وحِفْظ وصايا الأَنبياء من الآباء بعدم الانحراف عن صراط التَّقوى الجامعة لكلِّ الفضائل المكتسَبَة. كما أوصى سيِّدُنا يعقوب (ع) بَنِيْه بالبقاء على الإِسلام إلى لحظة الوفاة بقوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَبَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (البقرة:132) فكانوا خير مَن حَفِظ وصيَّة الالتزام بالإِسلام كما تؤكِّد الآية الَّتي تَلِيْها: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة:133).

ولِأَهَمِّيَّة حِفْظ المواريث عن طريق الذُّرِّيَّة الطَّاهرة، كان سؤال سيِّدِنا زكرِيَّا (ع) لباريه:﴿ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلَّى فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيَّا مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾(آل عمران:38-39 )

وكان زكرِيَّا ابن مِائة سنة وامرأته عاقر، وجاء يحيى بمعجزة لحكمة بالغة، ليجتمع عنده ميراث الأنبياء المتعاقبين في سلسلة النَّسْل المباركة من لَدُن يعقوب أبي الأَسباط إلى زكريَّا أبيه، كما قال تعالى:﴿ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾(مريم: 5-6). وما اجتماع الميراث النَّبَويِّ القديم كلِّه عند يحيى إِلَّا لِيُعْلِن البشارة بمجيء السَّيِّدِ المسيح (ع) الَّذي كان ِإعجازاً عظيماً، مولوداً بروح القُدُس، ومبشِّراً برسول البشريَّة (أَحمد) الَّذي تشرَّف بنسبته إلى باريه، بقوله:﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ﴾(الإسراء: 1).

الذُّرِّيَّةُ الصَّالحة

قد مدح الله تعالى أولياءَه الصَّالحين بسؤال الولد في الدُّعاء فقال:﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾(الفرقان: 74)، كما قال الإمام عليُّ: “لم أَسأَل ربِّي ولداً نضر الوجه حسن القامة، بل أسأله ولداً مُطِيعاً لله خائفاً منه، حتَّى إِذَا نظرتُ إليه وهو مطيع لله قَرَّت به عيني “.

والسُّؤال: هل هي مسألة نَسَب ونَسْل مختار؟ وميزان القَبول ومعيار الوصول عند الله عزَّ وجلَّ الدِّين والتقوى، وقد قال تعالى:﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾(المُدَّثِّر: 38).

الجواب: إن المسألة وإنْ كانت غامضة في بعض زواياها، لكنَّها قادرة على ان تُسْفِر عن حقيقتها، وتبرهن على صدقيَّتِها في معظم قضاياها، وإن كانت وراثة الفضائل، وانتقال المزايا، وارتباط الجواهر، ليست شرطاً في علاقة البنوّة بالأبوّة، والمولود بوالده، كما يُورَّث الذَّهَب والفِضَّة، ولكنَّ الجواهر الغالية، والأصول الثَّابتة، والمعادن الكريمة قادرة على أن تنتج من جنسها بمشيئة القدير الوهَّاب خالقها، في سُنَّةِ الاستمرار النَّوْعيِّ، والتَّحَوُّل البشريّ المتطور في درج ارتقاء الإنسانيّة إلى غايات منشودة ومحطَّات موعودة.

التَّربية الصَّحيحة

لأنَّ النُّفوس الطَّاهرة والَّتي عيشها النَّقاء النَّفْسيّ والصَّفاء الفكْريّ، والعِفَّة الجسديَّة، تمتزج قلوبها بمعرفة خالقها، وتعي قصد الحياة في بناء الأُسْرة المؤمنة، فتختار الشَّريك الموافق للقصد المقدَّس، وتنجب الأولاد، وتجعل تربيتهم الصَّالحة، وتعليمَهم آداب الحياة، وتسليكهم سبل النَّجاة، نَصْب أَعْيُنها، ويسبق ذلك الدُّعاء، ويواكبه إطعامهم الحلال، والاقتداء بكبار الأتقياء مَثَلاً أَعلى، ووقايتهم من معشر السُّوء، ومظانِّ الفساد، وقبل كلِّ شيء تُزرع في قلوبهم محبة الله سبحانه، وأنَّه تعالى موجود حاضر، وعلينا قادر، وبِسِرِّنا عليم، فالصَّلاة له، والزَّكاة لوجهه، والصَّوم افتقاراً وإخلاصاً لأنَّه الصَّمد الغنيُّ المُطلق.

وبعد القيام بواجب التَّربية الصَّالحة، فإِنْ شاء الله كانت لهم ذرِّيَّة صالحة وأولاد طائعون، يكمِّلون مسيرتهم الفاضلة، وينمُّون أجرهم عند الله في حياتهم، ولا ينقطع الأجر بعد الوفاة لأَنَّ لهم أبناء بَرَرَة يدعون لهم، (والولد سرُّ أبيه، ومن أشبه أباه فما ظلم).

حسن الاختيار

ولو لم تكن للنَّسَب قيمة لَمَا ركَّز مذهب التَّوحيد في مسألة الزَّواج على أن تكون المرأة كريمة الأعراق طيِّبة الأَخْلاق، اعتمادًا على النَّصِّ القرآنيِّ:﴿ الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾(النُّور: 26). وقول الرَّسول الأَكرم: تخيَّروا لنطفكم فإِنَّ العِرْق نَزَّاع، وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: إِيَّاكم وخضراء الدِّمَن. وقيل هي المرأة الحسناء في المنبت السُّوء. وهذا لا يعني أنَّ الرَّذائل تنتقل إلى الأولاد من آبائهم العصاة عن طريق التَّربية الفاسدة والمعاشرة السَّيِّئة فَحَسْب، بل قول الرَّسول: إنَّ العِرْق نَزَّاع، يفيد أَنَّ انتقال الخصائص الدَّنيئة من الآباء والأُمَّهات إِلى أَولادهم، بوراثة جسمانيَّة أشارت إِليها دلائل العلم العصريّ (خصائص بيولوجيّة).

ولكن يبقى الإشكال الَّذي ينبغي استجلاؤه في تحديد مرتبة النَّسَب الَّتي تَتَّفق والدِّين ولا تكفي بل هي عُقْم في حياة المجتمع إِنْ تنافت مع مبادئِ الدِّين وأُسُسه القويمة.

فقد قال النَّبيُّ: المرأَة تُنكَح لمالها وجمالها ونسبها ودينها، فعليك بذات الدِّين. فالمال والجمال نعمتان دنيويَّتان، والدِّين نعمة أُخرويَّة، والنَّسَب هنا كَأَنَّه وُضِع في صفِّ المال والجمال، لأَنَّ الحديث الشَّريف أَفردَ الدِّين عن الثَّلَاث الأُخَر: المال والجمال والنَّسَب، ولكنَّ النَّسَب قيمة معنويَّة لا تضعه في مرتبة النِّعَم الحسِّيَّة.

وقد يعود في الأَصل إلى معدِن كريم، إلى نبيّ عظيم، إلى صدِّيق كبير، ولا يكون الأصل رفيعا إِلَّا بالتَّقوى، و﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾(الحجرات:13). وقد يرث الأَبناء قِيَم أسلافهم وفضائلهم ومآثرهم، ولكنَّهم أَفراد في مجتمع القبائل والشُّعوب والأُسَر النَّسَبيَّة، وجامعهم الحقيقيّ توحيد الله وطاعة المرسلين، وحبّ الأولياء الصَّالحين.

فمَثَل النَّسَب مَثَل الأَرض الَّتي اقتُلِعَت الأشواك منها، ونُقِّيَت من الحجارة، وحُرِثت أجود حراثة، وهُيِّئت للبذار الزَّكيِّ، فإِنْ كانت قابلة لرسوخ الماء وغيث السَّماء فيها، وللتَّفاعُل مع طِيْب البِذار، أَتَت بالخير الكثير من ثمار يانعة، وأَزاهير عطرة.

أصالة النَّفس الإِنسانيَّة

وبرهان النّتاج الطَّيِّب، ما يقدِّمه المرء بين يدي مولاه، وقد تمهَّدت له السُّبُل، وكان الأصل عوناً كبيراً على نَيْل الدَّرجات. وكثيرون مِمَّن نزل بهم نسبهم نهضت بهم أعمالهم كي لا يكون معيار النَّسَب ثواباً من دون أَجْر، أَو عقاباً من دون ذنب، لذلك فهو ليس معيارًا مُطْلَقاً.

وقد طعن السَّيِّد المسيح (ع) على فكرة شعب الله المختار على أَنَّها بُنوَّة نَسَب وسلالة طبيعيَّة بالانتساب إلى إبراهيم الموعود بميراث الأرض المقدَّسة لنسله من بعده قائلاً لهم: إنَّ الله قادر أَنْ يُخرِج أولاداً لإِبراهيم من هذه الحجارة، أي أَنَّ بنوَّة النَّسَب لا تكفي إِنْ لم تقترن بالطَّاعة، وسلوك نهج الاستقامة، وآباء هؤلاء المُدَّعين عصوا الله فقتلوا أنبياء بني إِسرائيل الَّذين هم أنبياؤهم. وخاطبهم السَّيِّد المسيح (ع) قائلاً لهم: يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي (مت 7:3). والحيَّة لا تَلِد إلَّا حيَّة، والسَّيِّد المسيح خاطبهم كذلك لأَنَّ أَفعالهم تدلّ على أنَّهم وارثون لمثالِب أَسلافهم، كما ورد على لسان أشعيا النَّبيّ: …. لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ شَعْبُكَ يَا إِسْرَائِيلُ كَرَمْلِ الْبَحْرِ تَرْجِعُ بَقِيَّةٌ مِنْهُ (إش22:10). فالبقيَّة فئة من بني إِسرائيل قال عنها الأنبياء: إنَّها قِلَّة من هذا الشَّعب، صغيرة، تُدرِك معنى المحن فتتوب، وتنال الخيرات. فهم شعب الله المختار الَّذين فضَّلهم الله على العالَمِين، ويسكنون الأَرض المقدَّسة الَّتي كتبها اللهُ لهم. وقد عرَّفها الأنبياء (بالتَّوبة) بعد أَنْ قُدِّرَتْ عليها المحن المهذِّبة، لأَنَّ الذَّنْب لا يغفره نَسَب عريق أَو أَصل مجيد، وإِنَّما يُحْيِي الأَنساب الصَّحيحة، الأَفعال الجميلة، والأَخلاق الرَّشيدة.

صلة الأرحام

قال تعالى في سورة الفرقان:﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ﴾(الفرقان: 54) إِنَّها إِشارة إلى قُدرة الله عزَّ وجلَّ في خلْق الإِنسان من ماء مَهين هو النُّطفة، وإِلى نشوء الأَنساب بالولادة، وما نشأَ عنها، من علاقة الأُبوَّة، والأُمومة، والجدودة، والبنوَّة والأُخوَّة، والعمومة، والخؤولة، وأولادهم، والصِّهر أَي العلاقة النَّاشئة من الزَّواج بين الزَّوج وأَهل زوجته.

فإِذا نشأَتْ صِلَة رحم ثُمَّ أُرسيَت ضوابط وحدود لمسأَلة الزَّواج، تجعلها علاقة ارتباط مقدَّسة بين الجنسين، من دون مسّ بحرمة الصِّلَة النَّاشئة عن القرابة النَّاتجة أَي “صِلَة المحرم” الَّذي لا يحلّ معه الارتباط الزَّوجيّ بين ذوي أَرحام حدَّدهم الله تعالى في سورة النِّساء الآية 23، بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ… ﴾ والَّتي على  أساسها قسَّم الشَّيخُ الفاضل محمَّد أَبو هلال، المحارم إلى ثلاث: محارم النَّسَب، ومحارم النِّكاح ، ومحارم الرِّضاع.

واعتبر علماء التَّوحيد أَنَّ الرَّضْعة الواحدة تُحرِّم، لأَنَّها تنبت لحماً وعظماً، ولِأَنَّ المسأَلة من الدِّقَّة بمكان، ومنهج الدِّين صراط دقيق، وبهذا قال الإِمام عليُّ وابن عبَّاس وغيرهم من أَئِمَّة الإِسلام.

ولأَهمِّيَّة صِلَة الأَرحام قال تعالى:﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾(النساء:1)، فقد قرن الله عزَّ وجلَّ تقواه بتقوى الأَرحام أَي الإِحسان إِليها وعدم قطعها، وقال تعالى في حديث قدسيّ: أنا الرَّحمنُ خلَقْتُ الرَّحِمَ وشقَقْتُ لها اسمًا مِن اسمي فمَن وصَلها وصَلْتُه ومَن قطَعها بَتَتُّه.

وهذه الحدود المرسومة في مسأَلة “المحارِم” أَعطت العلاقات الإِنسانيَّة بُعْداً راقياً، حيث جعلت القرابة النَّاشئَة عن الزَّواج والولادة نواةً اجتماعيَّةً مستقلَّةً، تُبْرِز الخصائص المميّزة بين أفراد النَّوع الإِنسانيّ، وتسمح بالتَّلاقي مع خصائص أُخرى، في بَوْتَقَة التَّجانس، ليكون النّتاج نَسْلاً سليماً من العاهات والنَّواقص في شِرْعة الطِّبّ، وفي سُلَّم القِيَم الأَخلاقيَّة، والتَّعاليم الحيَّة.

قال تعالى في سورة النحل:﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴾(النحل: 72)، إِنَّها نعمة من الله عزَّ وجلَّ أَنْ يخلق للإِنسان زوجاً من جنسه، ويُلقي بين الزَّوجين المودَّة والرَّحمة، ويرزقهما الأَولاد المكمِّلين لمسيرة الخير والتُّقى، ثُمَّ يرزق الأَحفاد، لتصل مرحلة الأعمال الصّالحة إلى ذروة المُرتقى.

النَّسَب الفاطميّ

وإِذا كنَّا قد أَشرْنا سابقاً إلى أَنَّ الله تعالى جعل في ذرِّيَّة إِبراهيم النُّبوَّة والكتاب حتَّى وصل الأَمر إلى مجيءِ المسيح، وكانت العهود والمواثيق على الأنبياء وأُممهم، كلُّها تدعو إِلى الثَّبات على خطِّ التَّوحيد المكتمل بمجيء خاتم الأنبياء وأعظم المرسلين، ففي الإِسلام، كيف حُمل ميراث النَّبيّ، ومن طريق الذُّرِّيَّة الهادية المَهديَّة؟

لم يبقَ للنَّبيّ ولد ذَكَر، حتَّى قال المشركون إِنَّه أَبتر، فنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (الكوثر:1)، وعندما يتحدَّث العقَّاد عن الوراثة في شخصيَّة السَّيِّدة الزَّهراء يقول: “إِنَّ أَوَّل ما نضيفه إِلى بيان قوَّة اليقين، أو بيان القوَّة الإِيمانيَّة في نفس الزَّهراء، أَنَّها ورِثَتْها من أُمّ وأَب، وقد غطَّى ميراثها من أَبيها على كلِّ ميراث، ولكنَّه إِذا اقترن بالميراث من أُمِّها فقد بلغت أَصالتُهُ مدًى متَّصل الآثار فيما ورثتْه هي، وفيما توارثه الأَعقاب من بعدها، وما أخلَده من ميراث!” فأُمُّها خديجة كانت مفطورة على التَّديُّن تربية ووراثة، وفي سيرتها ما يدهش من حيث معرفتها بجبريل عبر علامة كانت عندها، فاقتران النَّبيّ بها لحكمة، وقد أَنجبت فاطمة سيِّدة النِّساء، ثُمَّ غابت عنها وهي في سنٍّ مبَكِّرة، لتُصاغ شخصيَّة الصَّابرة الثَّابتة الموقنة، والَّتي دلَّت مواقفها المذهلة على قوَّة كامنة في ذاتها، كان لها الأَثر البارز في صناعة التَّاريخ، وكانت مدداً لبنيها ونسلها من بعدها، بخصال كانت فيهم ورثوها من بنت النَّبيّ الأكرم فاطمة. كما قالت عنها السَّيِّدة عائشة: ما رأَيتُ أَحداً كان أَشبه سَمْتاً وهدْياً ودلًّا (السَّكينة والوقار)، وفي رواية أُخرى: حديثاً وكلاماً برسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم -من فاطمة.

أَمَّا ما قاله النَّبيّ في زواجها والإِمام عليّ، ففيه كمال الدَّلالة في مسأَلة النَّسَب والوراثة عن أَنس بن مالك، قال النَّبيّ(ص): الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع لسلطانه، المهروب إليه من عذابه، النَّافذ أمره في أرضه وسمائه، الَّذي خلق الخَلْق بقدرته، وميَّزهم بأَحكامه وأَعزَّهم بدينه وأَكرمهم بنبيِّه محمد – صلَّى الله عليه وسلَّم – إِنَّ الله تبارك وتعالى اسمه وعظمته جعل المصاهرة نسباً لاحقاً وأَمراً مفترضاً ، أَوشج به الأَرحام وأَلزمه للأَنام فقال عزَّ مِن قائل: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ (الفرقان:54). فأمر الله تعالى يجري إلى قضائه، وقضاؤه يجري إلى قَدَره، ولكلِّ قضاء قَدَر، ولكلِّ قَدَر أَجَل، ولكلِّ أَجَل كتاب، يمحو الله ما يشاء ويثبِّت وعنده أُمّ الكتاب، ثُمَّ إِنَّ الله تعالى أمرني أَنْ أُزوِّج فاطمة بنت خديجة من عليّ بن أبي طالب، فاشهدوا أني قد زوَّجته على أَربعمائة مثقال فضَّة إِنْ رضي بذلك عليّ بن أبي طالب، على السُّنَّة القائمة، والفريضة الواجبة، فجمع الله شملهما وبارك لهما وأَطاب نسلهما، وجعل نسلهما مفاتيح الرَّحمة ومعادِن الحكمة، وأَمْن الأُمَّة، أَقول قولي هذا وأَستغفر الله لي ولكم.

وكان عليّ غائباً، وعندما جاء وأخبره رسول الله بما كان، خرَّ ساجداً لله، فلمَّا رفع رأسه قال الرَّسول: بارك الله لكما وعليكما وأَسعد جدَّكما، وأَخَرَج منكما الكثير الطَّيِّب. قال أَنس: واللهِ لقد أَخَرَج منهما الكثير الطَّيِّب.

النَّسَب الإيمانيّ

لم يكن الصَّحابيّ الجليل سلمان الفارسيّ عربيّاً ولا قرشيّاً ولا هاشميّاً. وبعد مشورته الحكيمة بحفر الخندق في معركة الخندق الَّتي حمت الإِسلام ونصرَتْه على أَعدائه المشركين، قال النَّبيّ (ص): سلمان منَّا أَهل البيت.

ولمَّا سُئِل سلمان عن نَسَبه قال: نَسَبي الإِسلام. ومع أَنَّ هذا لا يلغي أَهمِّيَّة النَّسَب وميراثه في تفسير أَحوال الجماعات البشريَّة وخصائصها. ويبقى أَنْ نؤَكِّد أَنَّ أَصالة الإِنسان الَّذي ورث من الماضي، هو حاضره المتجدِّد تفاعلاً مع العلم والدِّين والحياة، المُيَمِّم وجهه شَطْر المستقبل، والَّذي يطمع أَنْ يكون غَدُه أَفضل من أمسه، فيبني كلَّ يوم لَبِنَة في مداميك البناء الإِنسانيّ، فيعلو البناء يوماً بعد يوم، بالجهد والمواظبة والسَّهر واليقظة، ولا يقول ماذا ورثت؟ إلَّا ليسأَل نفسه فيمَ أَنفقت؟ كما قال الشَّاعر:

 بِقَدْرِ الْجِدِّ تُكْتَسَبُ الْمَعَالِي            ومَنْ طَلَبَ الْعُلَى سَهِرَ اللَّيَالِي

وكما جاء في سيرة أفلاطون الحكيم لَمَّا سأَله فتى: بِمَ نِلتَ ما وصلتَ إِليه من العلوم؟ فقال له: أَفنيتُ زيتاً في سراجي، أَكثر من الشَّراب الَّذي شربتَه أَنت. فكما أَنَّ ثلثيّ الجسد ماء، فلتكن معظم ساعات العمر زيتاً ووقوداً يُضيءُ حياتنا الباقية، ورصيداً يُصرَف في تحصيل السَّعادة القصوى في دار الكرامة الدَّائمة.

جاء في “مجمع البيان ” في تفسير قوله تعالى:﴿ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴾(آل عمران:68)، وفي هذه الآية دلالة على أَنَّ الولاية تثبُت بالدِّين لا بالنَّسَب، ويعضد ذلك قول الإمام عليّ: إِنَّ أَوْلَى النَّاس بالأَنبياء أَعملهم بما جاؤوا به، ثُمَّ تلا هذه الآية، وقال: إِنَّ وليِّ محمَّد مَن أَطاع الله، وإنْ بعُدت لحُمته، وإِنَّ عدوَّ محمَّد مَن عصى الله، وإِنْ قَرُبت قرابته.

ختاماً

قال الإمام عليّ: لا غنى كالعقل، ولا فقر كالجهل، ولا ميراث كالأدب.. فميراث الأَدب أَخلد ميراث، يكسب الآباء والأُمَّهات ثواباً جزيلاً عند باريهم في حفظهم لأَمانة التَّربية، وهو كنز معنويّ للأبناء يُصلِح نفوسهم، ويُضيء طريقهم في رحلة العمر للوصول إلى دار الأَمان والسَّعادة. وهي سُنَّةٌ محمودة تحفظ خلافة الله في الأَرض، بعمارة صَرْح الحضارة الإِنسانيَّة على أَعمِدَة ثابتة، تُحقِّق مراد الله في التَّوحيد والعبادة، وتعطي هدف الحياة في استمرار النَّوع وبقاء النَّسْل معنًى روحيّاً راقياً. بقلم: فضيلة بقلم: فضيلة الشيخ ماجد بوسعد/ لبنان.


اكتشف المزيد من سراج المعرفة

اشترك ليصلك أحدث المقالات والمواضيع إلى بريدك الإلكتروني.