تنامى في السنوات الأخيرة خطاب الكراهية على مستوى العالم أجمع، فلم تنجُ منه معظم الدول، وإن كانت هذه الظاهرة تبدو قوية في منطقة ما وأقل خطورة في منطقة أخرى. وكان لوسائل التواصل الاجتماعي المساهمة الكبرى في انتشاره. والخطر الداهم أن هذا الخطاب أصبح للأسف، مادة أساسيّة عند أكثريّة الجيل الصاعد؛ لأنه أعني هذا الجيل، الأكثر استعمالا ومتابعة وتفاعلا على تلك الوسائل بمختلف أنواعها ومسمياتها. ويكفي أن نتخيل مستقبل كوكبنا في السنوات القادمة إذا لم يتم تدارك هذه المصيبة من قبل العقلاء، على صعيد الدول والمؤسسات والشعوب والأفراد؛ ولا يمكن تداركها إلا عبر نشر ثقافة الوعي وقبول الآخر المختلف دينيّا وعرقيّا ولونا وفكرا. ويمكن تحقيق ذلك من خلال العائلة والمدرسة والمجتمع والدولة.
ونحن سوف نركز في بحثنا هذا، على دور التربية في زرع مفهوم المواطنيّة، وتخفيض حدة الكراهية، عبر تأهيل المعلم والمتعلم، وأولياء الأمور، وتطوير المناهج التعليميّة بما يتلاءم مع هذه الثقافة التربويّة والدينيّة والإنسانيّة والأخلاقيّة.
فما هو تعريف المواطنيّة؟ وما يعني خطاب الكراهية؟ وهل ثمة تعارض بين الحدّ من هذا الخطاب وحرية الرأي والتعبير؟ وكيف يمكن للمؤسسات التربوية معالجة أسباب الكراهية، والحد منها، وتعزيز المواطنيّة؟
تعريف المواطنيّة
عرّف المركز التربوي للبحوث والإنماء المواطنيّة بالآتي:
إن الفهم المعاصر للمواطنيّة يتجاوز الحالة القانونيّة البحت، ليعني انخراط المواطن في مجتمع معيّن، بحيث يسهّل له هذا الانتماء التمتّع بفوائد الحياة المجتمعيّة، على خلفيّة المشاركة الناشطة في مجالات التقيّد بالقوانين والأنظمة والانتخاب، والتمتّع بالحقوق الشخصيّة تجاه الدولة كما تجاه غيره من المواطنين، فضلا عن إشغال الوظائف العامّة. وبالتالي لم تعد المواطنيّة اليوم كما كانت عليه بالأمس، لذلك من غير الجائز اعتبارها مفهوما مجردا أو وضعيّة جامدة ونهائيّة، محدّدة التفسيرات والمفاعيل، بل أصبحت وضعيّة منفتحة ومتحرّكة تجد أقصى كمالها وترجمتها في:
- مشاركتنا كمواطنين، أفرادا وجماعات، في مختلف الأنشطة المتعلّقة بمصيرنا، مع ما تفرض هذه المشاركة من حقّ لنا في الاطّلاع على المواضيع المطروحة والمتداولة في المجتمع الذي نعيش فيه أو ننتمي إليه، حيث يتقرّر مصيرنا. عندها يكون انخراطنا واعياً ومؤثّراً، فالانتماء إلى جماعة هو انتماء إلى الوطن هويّة ومشاركة .
- الوعي بأن الانتماء السياسي هو الرابط الجامع بين المواطنين وكفيلُ حرياتهم، وبأن المواطنيّة بمعناها الصحيح لا تقوم إلا على أساس الانتماء إلى مجموعات ونظم سياسيّة، حيث الناس متساوون في الكرامة كما في التمتع بحقوقهم والقيام بواجباتهم، وتتوطّد علاقاتهم بعضهم ببعض على أساس المصلحة العامّة لا المصلحة الشخصيّة.
- الإدراك بأن الفهم الصحيح للمواطنيّة يقوم على وعي ماهيّة الجماعة بما هي توحّد حول مشروع شامل يقبل الآخر كما هو، ويتقبّل الحق في الاختلاف بالرأي كحق طبيعي من حقوق هذا الآخر، ويحوّل بالتالي إلى مواطنين أفراد المجتمعات المنغلقة أو المنكفئة ليسهموا في المواطنيّة بأبعادها الاجتماعيّة والسياسيّة والإنسانيّة.
- فهم المواطنيّة بأنها لا يمكن أن تقتصر فقط على الأفراد الذين ينتمون إلى الوطن الواحد والدولة الواحدة، فذلك يفقدها معناها وبعدها الإنسانيّين. فمواطنيّة اليوم ليست منعزلة عما يجري في “القرية الكونية”. بل هي على تماس وتواصل مع “مواطنيّة” أوسع واشمل، منفتحة على انتماء إنساني يأخذ في الاعتبار هويتنا الوطنية وينمّي وعينا وفهمنا لإنسانيّتنا ولقرابتنا مع الإنسان الآخر، بعيدا عن الفئويّة والعصبيّة والانغلاق.
تعريف خطاب الكراهية:
لغة: الكراهية هي القبُح وإثارة الاشمئزاز والبُغض حول شيء ما.
الكراهية هي أيضاً الحقد والغضب والشعور بالضغينة تجاه شخص ما أو مجموعة ما. والأفعال القوليّة التي تصدر عن دولة أو جماعة أو أفراد وتدعو صراحة إلى الكراهية يطلق عليها “خطاب الكراهية”.
اصطلاحا: لا يوجد تعريف شامل لخطاب الكراهية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. فلا يزال هذا المفهوم محل نزاع واسع، لا سيما في ما يتعلق بحرية الرأي والتعبير وعدم التمييز والمساواة. وهذا النزاع مدعاة للتساؤل والتفكّر مليّا، أهو مقصود، أم إنه نزاع حقوقي فقط؟ وأفعلا يعجز القانون الدولي لحقوق الإنسان عن اعتماد تعريف واضح وصريح لخطاب الكراهية ، أم إنه تُرك لسبب آخر غير قانوني؟
إلا أنه يشير أي “خطاب الكراهية” إلى الكلام المسيء الذي يستهدف مجموعة أو فردًا بناءً على خصائص متأصلة (مثل العرق أو الدين، وغيرها…) والتي قد تهدد السلم الاجتماعي، أو الأهلي.
أما في استراتيجية الأمم المتحدة وعملها، فخطاب الكراهية هو “أي نوع من التواصل، الشفهيّ أو الكتابيّ أو السلوكيّ، الذي يهاجم أو يستخدم لغة ازدرائيّة أو تمييزيّة بالإشارة إلى شخص أو مجموعة على أساس الهوية، وبعبارة أخرى، على أساس الدين أو الانتماء الإثني أو الجنسيّة أو العرق أو اللون أو النسب أو النوع الاجتماعيّ أو أحد العوامل الأخرى المحددة للهوية “.
ما الفرق بين حرية الرأي والتعبير وخطاب الكراهية؟
حرية التعبير حقّ أساسي من حقوق الإنسان تنصّ عليه المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فتدعم هذه المادة حق الإنسان في التعبير عن رأيه الديني ومعتقده، وفكره السياسي دون التعرض له والإساءة إليه. أما خطاب الكراهية فيرتكز على الإساءة إلى الآخر بكلام، وأفعال، ورسومات، وفيديوهات، وصور، من شأنها أن تلحق الأذى النفسيّ أو الجسديّ أو المعنويّ به.
أما على صعيد المجتمع، فحرية الرأي من شأنها زيادة الوعي المجتمعي، في مواضيع تخص الفرد والجماعة، في المقابل خطاب الكراهية يؤدي إلى خلق حواجز بين أفراد المجتمع وتباعد، وإذا زاد هذا الخطاب عن حدّه فقد تنتج عنه حرب أهليّة.
ويساهم خطاب الكراهية في بث روح التعصب والعنصريّة تجاه الأقليات، فيما يخلق حق الرأي والتعبير جوا من التسامح وفهم الآخر.
إذاً، يمكننا الاستنتاج أن حرية الرأي والتعبير من المقدسات الفرديّة، إذا لم تتجه إلى تحقير الآخر وتهميشه، والإساءة إليه، فعندها يتحول هذا المقدس إلى مهدِّم ومدمّر. كما قال تعالى في محكم كتابه: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ”.
صناعة الكراهية
صناعة الكراهية أحد أهم الأسلحة المستخدمة في الحروب النفسيّة، وأهم أدوات نظام تفكيك البنى والتماسك الاجتماعي. فالحروب العسكريّة تستهدف حياة البشر وممتلكاتهم الماديّة، فيما الحروب النفسيّة تستهدف السلوك الاجتماعيّ من خلال التأثير على أفكارهم وحالتهم المعنويّة. وتُصنع الكراهية عبر نشر الأكاذيب وتزوير الحقائق واختلاق الأحداث والتلاعب بالعقول والافتراء على الآخرين وتزيين الباطل. وهذا يؤدي إلى توفير البيئة التي ترعى الكراهية والمعاداة ليشتد عود الضغائن، ثم تتحول الكراهية إلى أفكار وعقائد قبل أن تصبح سلوكاً عدوانيّاً متطرفاً. إن تغذية الكراهية تشكل الحاضنة الملائمة للعنف والإرهاب.
لا تنمو الكراهية إلا في المجتمعات غير المستقرة والتي تعاني من انقسامات عرقيّة وطائفيّة ومذهبيّة وطبقيّة، وتغيب عنها ثقافة التنوّع وقبول الآخر، ويقاسي فيها الناس من غياب الأطر والضوابط السياسيّة والقانونيّة المنظمة. ويمكن لقضية الأقليات العرقيّة والدينيّة أن تشكل مدخلاً للتوظيف السياسيّ لدى بعض الدول بأن تثار كراهية كيانات ضد كيانات أخرى. كما أن للمحسوبيّات والمنفعة الخاصة والتهميش والإقصاء الذي تمارسه السلطة الحاكمة، دورا في توليد الكراهية والعنف.
كما تلعب أكثريّة وسائل الإعلام دورا رئيسا في صناعة أو بث خطاب الكراهية بصورة متواصلة على مدار الساعة للمشاهدين والمستمعين والقرّاء حيث تزايد الإعلام المختص بالبغض والكراهية في ظلّ غياب شبه تام للإعلام المهني الموضوعي المحترم الذي يقوي الروابط الوطنيّة للمكونات الشعبيّة، ويواجه الإعلام والصحافة الصفراء اللذين يهتكان بالنسيج الاجتماعيّ عبر التحريض الأعمى على العنف والإقصاء بشتّى الطرق والأساليب المناقضة تماما للقيم الأخلاقية النبيلة.
دور التّربية والتّعليم في الحدّ من خطاب الكراهية
تحتل المدرسة مركزا رئيسا في التنشئة الاجتماعيّة للطفل، حيث يقضي الطفل فيها أكثر وقته. فهو يتعرف في المدرسة على أقرانه ويبدأ باللعب معهم، ومن ثم يفهم الاختلافات الموجودة والفروقات الحاصلة بين البشر. فإذا كانت المدرسة ومن ثم الجامعة، تعملان على صقل شخصيّة المتعلم بالطريقة الصحيحة القائمة على فهم التنوع والتعدد واحترامهما، فسوف تؤثر هذه العملية التربوية على خفض هذا الخطاب كثيرا. وفي المقابل، إذا تبنت المدرسة خطاب الكراهية فإن النتائج سوف تكون وخيمة جدا على جيل بأكمله.
كيف يمكن للمؤسسات التربويّة المساهمة الإيجابيّة في تعزيز المواطنيّة، وخفض مستوى خطاب الكراهية؟
أشارت ورقة المناقشة الصادرة عن اليونيسكو بعنوان: هل من تدابير تربوية وتعليمية للتصدي لخطاب الكراهية؟ إلى:
- ضرورة تعزيز المواطنة العالميّة وزيادة الوعي بشأن حقوق الإنسان والمسؤوليّات المدنية، عبر دمج تعليم المواطنة العالميّة في المناهج الدراسيّة الوطنيّة المستخدمة للتدريس بغية معالجة الأسباب الجذريّة لخطاب الكراهية، وتعزيز التعليم في مجال حقوق الإنسان وسيادة القانون من أجل معالجة العلاقة المعقدة بين التصدي لخطاب الكراهية ودعم حرية الرأي والتعبير.
- الإحاطة بأسباب خطاب الكراهية وعواقبه، عبر إعداد برامج تعليمية تتناول هذه الأسباب وإدماجها في المناهج الوطنية، وإزكاء الوعي بشأنها.
- الأخذ بوجهات النظر المتعددة وتعزيز التعدديّة، والتفكير النقدي للتصدي للكراهية والتحيز. وهذا الهدف يمكن تحقيقه من خلال إبراز القيم المشتركة في ظل التنوع والتعدّد، والعمل على ترجمتها على أرض الواقع.
- تعزيز الإنصاف والاندماج الاجتماعيّ بالاستعانة بالتعلّم الاجتماعيّ والعاطفيّ، من خلال ممارسة اليقظة الذهنية والتحلي بالمرونة التي تمكّن من بناء علاقات إيجابيّة مع الأقران وتعزز التعاطف مما ينظم النزعة العدائيّة، والعنف، ويعزز السلوك المسالم والاجتماعي الإيجابي.
- تعزيز الدراية الإعلاميّة والمعلوماتيّة وتعليم المواطنة الرقميّة، والرقمية الذكية، للتصدي لخطاب الكراهية عبر الانترنت، عبر تمكين المتعلمين من الردّ على هذا الخطاب من خلال تزويدهم بالمعارف والمهارات اللازمة، وتنمية التفكير النقدي بشأن المنتجات الإعلاميّة.
- بناء قدرة المعلمين على التصدي لخطاب الكراهية ومعالجة أسبابه الجذريّة كي يمكن تحقيق كل ما تقدم من نقاط؛ لأنه لا بد من تنمية قدرات المعلمين المهنية حتى يتمكنوا من توفير بيئة تعليمية تسمح بوجود الاختلاف القائم على الاحترام. وهذا يتطلب توفير الدعم الكافي للمؤسسات التربوية لتدريب المعلمين وإعدادهم من أجل وضع برامج تخدم هذا الهدف.
- تعزيز قدرة المدارس على العمل بمثابة مراكز للتماسك الاجتماعي. تؤدي المدارس غالبا دورا مهما في حياة الشباب، وذلك ما يمنحها القدرة على العمل بمثابة مراكز لتنمية التماسك الاجتماعي. وينبغي للمدارس تقديم القدوة والمثال الجيد ف يما يتعلق بالمبادئ التي تروّج لها.
- دعم البرمجة المجتمعية ومشاركة الشباب داخل شبكة الانترنت وخارجها. لا بد من إدراج التعلم غير النظامي والتعلم مدى الحياة في كل الاستراتيجيات الرامية الى الحد من انتشار خطاب الكراهية وتداعياته. ولا بد من اعتماد سياسات تتجاوز نطاق التعليم النظامي حتى يتسنى للجميع المشاركة في الحياة الاجتماعية.
دور وزارة التربية والتعليم العالي والمؤسسات التربويّة في لبنان في تعزيز المواطنيّة، ومناهضة خطاب الكراهيّة
سعت وزارة التربية والتعليم العالي في لبنان بالتعاون مع المركز التربوي للبحوث والإنماء إلى مناهضة خطاب الكراهية والتطرف، عبر التركيز على مفهوم المواطنيّة، وعملت على ترجمتها في كتاب التربية المدنيّة والتنشئة الوطنيّة، من الصف الأساسي الأول حتى الثانوي الثالث. وهي تهدف إلى تعزيز محاور وطنيّة اجتماعيّة أساسيّة في مفهوم المتعلم وحياته:
– إعداد الطالب أخلاقيًّا على النحو الذي يتماشى مع القيم الإنسانية في مجتمعه ووطنه.
– تعريفه بعالم المهن والحرف وإكسابه روح العمل وتقدير العاملين في مختلف المجالات.
– إعداد الطالب مدنيًّا بحيث يتمكن من الإسهام في تطوير العالم والانسجام مع روح العصر.
– تربيته على النقد والنقاش وتقبُّل الآخر، وعلى حل المشكلات مع نظرائه بروح المسالمة والعدل والمساواة.
– تنمية الروح الاجتماعيّة لديه كي يشعر بالانتماء لمجتمع أكبر تغتني وحدته بتنوعه.
– رفع مستوى مساهمته الثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة وتعزيز مشاركته الحرة في حياته المدنيّة.
– ترسيخ تعلُّقه بهويته اللبنانيّة وبأرضه ووطنه وولائه لهم عبر إطارٍ ديمقراطيٍّ متماسك وموحِّد.
– زيادة وعيه بهويته العربية وولائه لها وشعوره بالانتماء العربي المُنفَتِح نحو العالم بأسره.
– تعزيز وعيه بإنسانيته عبر العلاقات الوطيدة بأخيه الإنسان، وذلك بغضِّ الطرف عن فوارق الجنس، واللون، والدين، واللغة، والثقافة، وغيرها.
هذا بالإضافة إلى عدة مبادرات وطنيّة، منها إصدار دليل مرجع بعنوان: التربية على المواطنيّة: المشاركة المدنية – المواطنيّة الرقميّة، والإطار الوطني اللبناني لمنهاج التعليم العام ما قبل الجامعي للعام 2022، وكذلك الإطار المرجعي للتربية على المواطنيّة، الذي خلص إلى توصيات هامة جدا، بشأن تطبيق التربية على المواطنيّة عند صوْغ المناهج اللبنانيّة الجديدة:
- ضرورة أن تكون التربية على المواطنيّة جزءًا من المناهج اللبنانيّة كعامل أساسي نحو الاستقرار المنشود في لبنان.
- ضرورة تضمين المناهج الدراسيّة مفاهيم تتعلق بحقوق الإنسان، وخصوصا في مادة التربية المدنيّة، بغية تعزيز الفهم المتعمق لقضايا المواطنيّة والعدالة الاجتماعيّة.
- ضرورة أن تتضمن المناهج اللبنانيّة الأدوات التعليميّة المناسبة، مثل المحاكاة والمشاريع الواقعيّة والفرص التطوعيّة، بغية إكساب المتعلمين مهارات المواطنيّة وتعزيز إدراكهم للبيئة السياسيّة والاجتماعيّة في لبنان.
- من الأهميّة بمكان إتاحة المناهج اللبنانيّة الفرصة للمتعلمين للمشاركة العمليّة إلى جانب القسم النظري بغية التدريب على المواطنيّة في بعدها العملي والتكيّف مع السياقات الثقافيّة والسياسيّة المتنوعة في لبنان.
- ضرورة تضمين المناهج الدراسيّة استراتيجيات تدريس تفاعليّة ونشطة ومنها الاستقصاء والحوار المفتوح، بغية تطوير التفكير النقدي والمهارات الاجتماعيّة لدى المتعلمين، ما يعزّز من مفاهيم المواطنيّة.
- من الأهميّة بمكان تدريب المعلمين لتطوير كفاياتهم المهنيّة لجهة تنفيذ استراتيجيات تدريس المواطنيّة والقيم العائدة إليها.
- من الضروري أن يكون لأولياء الأمور دور إيجابي وداعم في مبادرات التربية على المواطنيّة التي تعطى لأبنائهم في المدارس من قيم ومبادئ ونشاطات عمليّة مختلفة.
- من المهم تضمين المناهج اللبنانيّة قضايا وطنيّة وعالميّة لمناقشتها وإيجاد الحلول الممكنة لها من قبل المتعلمين كي يصبحوا أكثر فاعلية وتأثيرًا في مجتمعهم الاجتماعيّ والسياسيّ.
وقد ترافقت هذه الإصدارات المشار إليها مع العديد من الدورات التدريبيّة للمعلمين على صعيد الوطن.
أما آخر تلك المبادرات التي انبثقت من الأسس الوطنيّة للمبادرات والوثائق والأطر المرجعيّة السابقة، فهي مبادرة السيدة الأولى نعمت عون، التي عمدت إلى إطلاق “مدرسة المواطنيّة” بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم العالي، والمركز التربوي للبحوث والإنماء، وشركاء آخرين. وهي تستهدف المدارس الرسميّة والخاصة. وقد قُبلت 150 مدرسة من كل لبنان، تحتوي جميعها على 25000 طالب، وهي ممتدة إلى 5 سنوات. وضمن برنامج “مدرسة المواطنيّة” سوف يتم تدريب 150 مديرا، و450 معلما، كي يعملوا على ترسيخ قيم المواطنية، ونبذ الكره والعنف والتطرف من ذهنية المتعلمين وسلوكهم.
وقد عرف الموقع الرسمي لمدرسة المواطنيّة بأنها: “تُمكّن مدرسة المواطنة المدارس من أن تصبح محركات للمواطنية الفاعلة من خلال بناء قدرات المربين والقادة، ومواكبة تنفيذ مشاريع المشاركة المدنية في المدارس. كما تعزز منظومة وطنية قائمة على القيم الديمقراطية، والتضامن، والانتماء. ومن خلال التكريم السنوي والحوار حول السياسات، تحتفي المدرسة بدور التعليم وتعمل على تعزيزه في بناء مواطنين فاعلين في مختلف أنحاء لبنان”.
الخاتمة
إن خطاب الكراهية من أهم العوامل المدمرة للفرد والمجتمعات، وهو أحد الأسلحة الفتاكة لدى قوى الظلام لتعزيز الانقسام والتشرذم والتصادم، بحيث يبدع هؤلاء بخلق تلك الكراهية بما يتناسب مع تناقضات كل بيئة ومجتمع على امتداد العالم. أما إطلاق تلك الأسلحة المدمرة فيتم عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بحيث تنتشر كالنار في الهشيم. ولا يمكن مواجهتها إلا بقلوب نقية صادقة تؤمن بالقيم والفضائل الأخلاقية، وأيضا من خلال التربية والتعليم عبر تعزيز مفاهيم المواطنيّة في المناهج التعليميّة، من أجل إنشاء جيل سليم ومعافى من الكره والحقد والكذب، ومفعم بالمعاني الثقافيّة السامية والإنسانيّة التي تحترم الآخر ولا تهدّمه، والتي تفرّق بين حرية الرأي والتعبير وبين خطاب الكراهية. وهنا يتجلّى الدور المحوري لإدارة المدرسة والمعلم والمعلمة في اقتناء تلك المفاهيم المحقة والعمل على زرعها بمحبة في عقول تلاميذهم وقلوبهم، ولأولياء الأمور في دعم تلك القيم الوطنيّة، وتعزيزها وبلورتها في أولادهم.
بقلم: الشيخ كامل العريضي

