سُمي المسكر خمرا من الخمار، والخمار هو الستر. فالخمر يستر العقل ويبعده عن مواهب التمييز والإدراك، وعند ذلك يكون التصرف قريبًا إلى التصرف الغريزي من دون أية ضوابط، كسيارة تعطلت فيها المكابح. فلا يمكن للإنسان توقّع مدى الضرر الذي يحدث لها في أثناء سيرها.
ولما كان دماغ الإنسان هو مركز العقل والإدراك والتفكير، والعقل ذاته هو هبة الله للانسان ليختار أعماله ويعيش الحياة الكريمة شرفا ورقيّا وأدبا وحسن أخلاق، فإنه عند احتساء الخمر تتعطل مراكز الإدراك والتمييز فيه، فيتوه العقل في أوهامٍ تفقده الوعي وتطمس عنه الحقيقة، ألم يقل أبو نواس:
اسقني حتى تراني أحسب الديك حمارا
فمع هذا الواقع المؤلم، كانت الحاجة الماسّة لتحريم هذا التعاطي السيّئ، حيث قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”[1]. والاجتناب أشد من التحريم . فالاجتناب هو الابتعاد يعني أن تبقى على مسافة آمنة كي لا تقع في خطر، فهو يتطلب الابتعاد عن زرع شجرته وقطف ثمرته (بنية بيعه للخمارة) ومراحل صناعته وأحوال تجارته والجلوس على مائدته، حتى تكون النفس طاهرة من غائلته، وهو ما أكده الحديث الشريف: “لعن الله الخمر، وشاربها ، وساقيها ، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها”، وكل ما يفعل فعل الخمر بالإنسان من مأكول أو مشروب أو مادة تُستنشق، ويبعد الإنسان عن الله تعالى، هو محرّم تحريم الخمر، حتى يسلم المجتمع من شروره و آثاره.
بقلم: الشيخ نبيل رعد.
( ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ) أي : القمار، ( والأنصاب ) يعني : الأوثان، سميت بذلك لأنهم كانوا ينصبونها، واحدها نصب بفتح النون وسكون الصاد، ونصب بضم النون مخففا ومثقلا ، ( والأزلام ) يعني : الأقداح التي كانوا يستقسمون بها واحدها زلم، ( رجس ) خبيث مستقذر، ( من عمل الشيطان ) من تزيينه، ( فاجتنبوه ) رد الكناية إلى الرجس، ( لعلكم تفلحون ).

