أن تكون مؤمنًا: موازينُ الأخلاقِ وبنيانُ الإنسان

أن تكون مؤمنًا: موازينُ الأخلاقِ وبنيانُ الإنسان

رُوي عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالبٍ عليه السلام، من جواهر حكمه في نهج البلاغة، قوله: إذا نَطَقْتَ فَاصْدُقْ، وإذا مَلَكْتَ فَارْفُقْ، وإذا أُعْطِيتَ فَاشْكُرْ، وإذا ابْتُلِيتَ فَاصْبِرْ، وإذا عَاقَبْتَ فَارْفُقْ، وإذا عَاتَبْتَ فَاسْتَبْقِ، وإذا أَحْبَبْتَ فَلَا تُفْرِطْ، وإذا أَبْغَضْتَ فَلَا تَجُرَّ، وإذا صَنَعْتَ مَعْرُوفًا فَاسْتُرْهُ، وإذا صُنِعَ إِلَيْكَ مَعْرُوفٌ فَانْشُرْهُ، وإذا مَدَحْتَ فَاخْتَصِرْ، وإذا ذَمَمْتَ فَاقْتَصِرْ، وإذا وَعَدْتَ فَأَنْجِزْ، وإذا أَعْطَيْتَ فَأَوْجِزْ، وإذا عَزَمْتَ فَاسْتَشِرْ، وإذا أَمْضَيْتَ فَاسْتَخِرْ.

هذه الوصايا حِكَمٌ تُعَبّرُ عن منظومةٍ أخلاقيةٍ متكاملة، ترسم ملامحَ الشخصية المؤمنة الواعية الملتزمة في أدق تفاصيلها، وتقدّم الإيمان لا كشعور عابر، بل كسلوك منضبط مسؤول، وكمنهج حياة دائم، قائمٍ على المبادِئ، لا كحالة طارئة.

أولًا: الصدق: ركيزة الكيان الإنساني

فالبداية من الكلمة؛ لأن الصدق أصل كل بناءٍ سليم، وهو مرآة القلب المستقيم، ومفتاح الثقة بين العبد وربه وبينه وبين الناس. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}.

ثانيًا: الرفق في مواطن القوة

ثم ينتقل المنهج إلى موضع القوة فيُهذّبها بالرفق؛ فالقوة إذا جُرِّدت من الرحمة انقلبت قسوةً وظلمًا، وإذا اقترنت بالرفق صارت عدلًا ورأفة ورحمةً ورأفةً.

ثالثًا: التوازن بين الشكر والصبر

وفي مسار الحياة يتعلّم المؤمن التوازن بين حالين متقابلين: الشكر عند النعمة، والصبر عند البلاء. فلا تُطغيه النعمة فينساها، ولا تُسقطه المحنة فييأس منها؛ بل يبقى ثابتًا، رابطًا قلبه بالله تعالى، مُطمئنًا، عارفًا أن {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}.

رابعًا: تأديب المشاعر، فلا إفراط في الحب، ولا جور في البُغض

ثم تمتد هذه الموازين إلى عالم المشاعر: فلا إفراط في الحب يعمي عن الصواب، ومن دونِ تَجَرٍ في البُغض يُخرِج عن العدل. المؤمن يزن عاطفته كما يزن أفعاله، فيبقى متوازنًا، لا تجرّه المشاعر إلى تجاوز الحق.

خامسًا: أدبُ المعروفِ والمعاملة

وهكذا، يرتقي المؤمن إلى أدبٍ رفيع مع الناس: فيستُر ما يصنع من معروف حفظًا لإخلاصه، وليكافئ من صُنع إليه المعروف او يثني عليه، امتثالًا لقولِ النبي محمد صلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسَلّم: “مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَلْيُكَافِئْهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ عَلَيْهِ”.

ويُظهر ما يُصنع إليه وفاءً وشكرًا، ليُربي في نفسه وفي غيره ثقافة الاعتراف بالجميل.

كما يضبط لسانه في المدح والذم؛ فلا يُفرط في المدح فيُفسد، ولا يُسرف في الذم فيظلم؛ لأن الكلمة مسؤولية وأثرها أبْقَى من لحظتها.

سادسًا: تمام الحكمة في التدبير

ويبلغ المنهج تمامه في حسن التدبير:

  •  وفاءٌ بالوعد يُثبِت المصداقية، واعتدالٌ في العطاء يمنع المَنَّ والأذى،
  • وتشاورٌ قبل القرار يقي من الزّلل، واستخارةٌ عند الإقدام تبقِي القلب متصلًا بالله، مستنيرًا بهداه، راضيًا بقضائه.

الإيمان الذي يُرى:

خِتامًا، تتجلّى حقيقة الإيمان في أبهى صورها:

أن يكون الإنسان مستقيمًا في باطنه كما هو في ظاهره، متوازنًا بين عقله وعاطفته، رقيقًا في موضع القوة، قويا في المواقف الكُبرى، حكيمًا في كل تصرّف.

فالمُؤمن يُعرف بصدقِ قوله وأداءِ أمانته، كما يُعرَف بِحُسنِ خُلقه، لا بما يحفظ من معانٍ، بل بما يترجمه إلى أداءٍ، حتى تصبح حياته كلها نصًّا حيًّا، تُقرأ فيه القيم، وتُرى فيه معاني الإيمان.

والحمدلله، الذي هدانا لهذا، وما كنّا لنهتديَ لولا انْ هدانا الله تعالى.

بقلم: الأستاذ د. غازي مُنير قانصُو – لبنان.

عميد كليّة الدّراسات الإسلاميّة في الجامعة الإسلاميّة في لبنان.


اكتشف المزيد من سراج المعرفة

اشترك ليصلك أحدث المقالات والمواضيع إلى بريدك الإلكتروني.