أيُّها البحر…

أيُّها البحر…

أيُّها البحرُ المتماوجُ فوقَ حُبَيْباتِ الرمالِ ، أَأَنْتَ أُغْنِيَةٌ تتراقصُ نغماتُها على الشُّطآن ، أَمْ صوتٌ صارخٌ تهتزُّ لِوَقْعِهِ هاماتُ الصخورِ وأقدامُ الجبال ؟

 أيّها الملاكُ الأزرقُ ، في عباءَتِكَ اللَّازَوَرْدِيَّةِ خُيُوطٌ من نورٍ، صاغَتْها شمسُ الصباحِ ، فَغَمَرْتَها بِحَنانِك ، وَوَشَّحْتَها بِأَبهى أَلوانِك  ، فَبَدَتْ مزيجًا من الأزرقِ والأخضرِ والأحمر … ماءٌ وكوثر، نورٌ ونار… وعمقٌ لا يُحِيطُ به قرار … نستقي منك اللآلئَ والمَرجان، ونبقى عاجزينَ عن اكتناهِ سرِّكَ الفتان؛ فما أَشْبَهَكَ بفيلسوفٍ أزرق العَيْنين ، أبيض الوجهِ ،أحمر الْوَجْنتَيْن ، يرتدي الأخضرَ، ويلهب بفكرِه الأفكارَ ، ولا  قرار …

 أَنظرُ إليكَ فأراكَ عائمًا في لُجَجِ الأحلامِ، تروي قصصَ العصور، وترسمُ فوقَ صفحاتِك مشاهدَ الزمان، حـتى إذا ما أقبلَ الليل، أعرضتَ عن الناسِ، وتحوّلتَ بوجهِكَ لمناجاةِ القمرِ ومسامرةِ  النجومِ؛ أَتُراك تشكو إليها ما يرمي الناسُ في أعماقِكَ من الأقذار، أم ما تُخفي في قلبِك من غضبٍ على البَشَرِ الذينَ دفنوا في كُناسَةِ التاريخِ القِيَمَ الانسانيّةَ أيّها الجبّار…لا …لا … إنَّك لا تشكو ، ولكنّك تثور … تغضبُ وتَمُوْر، فتدكُّ الأرضَ دكًّا دكًّا، وتُغْرقُ الناسَ بالعُبابِ والسحاب، وتضرِبُ بموجِك الهادرِ وُجُوهَ العابثين، وتؤدِّبُ البشر. فعلى مَ  تُلام؟

 أيّها اليمُّ الهادرُ؛ حِينَ تهاجمُك الأنهارُ في الشتاءِ ، لتعكِّرَ صفْوَك، وَتُوْحِلُ بمياهِها قعْرَك، تنتفضُ كَبُركان، فترميها بماءٍ مُزْبِدٍ، فترتدُّ تاركةً على شواطئِك ما خلَّفَتْهُ وراءَها، بعد الهزيمةِ، من عَتاد. وحينَ تزورُك في الربيعِ، تعانقُها برحابَة صدرِك، وتقابلُها ببشاشةِ وجهِك، فيرشِفُها ثغرُك، ليُبَرِّدَ غليلَك بالماءِ الزلال .

 فما أبهاك أيّها البحرُ،  وما أغناك !

 سماؤكَ ومياهُكَ، طيورُكَ و حيتانُكَ، شِعَبُكَ ومَرجانُك، لآلئُكَ وأصدافُكَ، أسماكُكَ وأعشابُكَ، لُججُكَ وأمواجُكَ… كلُّها تشهدُ لك بحُسنِك و جمالِك  أيها الخضمُّ العظيم .

 فوقَ صدرِكَ الفسيحِ، تمخرُ السفنُ عُبابَكَ، وتغوصُُ مُبْحِرَةً في عُمقِ كتابِكَ، لتقرأَ ما اختزَنَتْهُ أعماقُك من الأسرار، فهنا سفينةُ قبطان في القيعان، وهناك كنوزٌ تحت الأنقاض، وهنالك بقايا ملّاحٍ ابْتَلَعَتْهُ الحِيتان. وهذه قارّةٌ ضَربَها الزلزال، وتيك قارّةٌ جمَّدها الصقيعُ فَبَدَتْ كَتِمثال… حكاياتٌ وحكاياتٌ في سِفْرِكَ نَقْرَؤها يا جامِعَ الأَضداد.

 أيها المحيطُ الدائر؛

 لقد اختزلتَ الحياةَ ، فاشهدْ عليها ، وابقَ أرجوزةً بين يديها . فمع كلّ موجةٍ حضارةٌ تحملها أشرعتُك عبرَ العُباب ، تمخرُ فيها المكان ، من الشطآن إلى الشطآن.  أجيالٌ تودِّعُكَ، وتستقبِلُكَ أجيال؛ وتبقى على امتدادِ قارّاتِك آثارُ تلك الحضاراتِ التي غيَّبَها الزمن، فهلْ لكَ أن تخبرَنا عنها شيئاً، وقد حُفِرَتْ فوق مياهِك أحرُفُها والكلمات، أو أنّكَ محوتَ ما سجّلتَ فوق مياهِك كيما لا تَسْوَدُّ جبهتُك من جهالةِ الإنسان !

 أيّها البحر الحزينُ؛

 ها هي السماءُ تبكي على ما أحاطَ بك من ظلمِ البشر، وتحاولُ أن تمسحَ عن جبينِك ماعَلِقَ به من خطاياهُم ، فانظرْ إليها ، فلعلَّها تطهِّرُكَ، فتعودَ إلى صفائٌك من جديد .

وداعاً أيّها البحرُ، لقد أدهشْتَنِي ،لأنك محوتَ عن وجهِك ما سطَّرَهُ الزمان، فهلاّ عَذَرْتَنِي  لأنَّنِي إنسان.  

بقلم: الشيخ د. وجدي الجردي

رئيس جمعيّة الإشراق الخيريّة مدير عام مدارسها.                       


اكتشف المزيد من سراج المعرفة

اشترك ليصلك أحدث المقالات والمواضيع إلى بريدك الإلكتروني.