الإنسانيّة في نهج العرفاء

الإنسانيّة في نهج العرفاء

ليست الإنسانية، في نظر العرفاء، شعارًا أخلاقيًا يُرفع، ولا عاطفةً عابرةً تُستثار، بل هي ثمرةُ معرفةٍ داخليةٍ عميقة؛ معرفةٍ تُعيد الإنسان إلى أصله النوراني، قبل أن تُفرّقه الأسماء والرايات والمذاهب. فالعارف لا يرى الإنسان بحدوده الضيّقة، بل بحقيقته الواسعة التي تتجاوز اللون والدين والهوية.

في تراث التصوف الإسلامي، كما عند محيي الدين ابن عربي، تتجلى فكرة «الإنسان الكامل» بوصفه مرآةً للحقّ، تتسع لكل الصور، وتحتمل كل الاختلافات. الإنسان هنا ليس كائنًا منغلقًا في عقيدة، بل أفق مفتوح للحقيقة. ولذلك قال ابن عربي: «قلبي قابلٌ لكل صورة»، في إشارةٍ إلى أن القلب المتحرر من التعصّب يصير موطنًا للرحمة الشاملة.

وكذلك نجد عند جلال الدين الرومي أن الحبّ هو اللغة الوحيدة القادرة على جمع البشر، وأن الكراهية نتاجُ وهم الانفصال. فالعارف، عند الرومي، لا يُعرّف نفسه بما يفرّقه عن الآخرين، بل بما يجمعه بهم. إنّه يرى في كل إنسان أثرًا من سرٍّ إلهي، وفي كل قلب إمكانيةَ نورٍ ينتظر أن يُكشف.

الإنسانية في نهج العرفاء ليست إلغاءً للاختلاف، بل احتواء له. فهم لا ينكرون التعدّد، لكنهم يردّونه إلى وحدةٍ أعمق. الاختلاف عندهم تنوّعُ تجلّيات، لا صراعُ هويّات. ومن هنا تنبع أخلاقهم تواضعل لأن الحقيقة أكبر من أي فهمٍ فردي، ورحمةٌ  لأن كل إنسان يسير في طريقٍ خاص نحو الجوهر، وصبرٌ لأن النضج الروحي لا يُفرض بالقوة.

ولذلك كان العارف أشدّ الناس نقدًا للتعصّب، لا لأنه يرفض الدين، بل لأنه يرفض اختزال الدين في حدودٍ ضيّقة. الدين، في رؤيتهم، تجربةُ حضورٍ لا أداةُ إقصاء؛ سلوكٌ إلى تزكية النفس، لا ذريعةٌ للهيمنة. الإنسانية ليست بديلًا عن الإيمان، بل هي مقياس صدقه: فكل إيمانٍ لا يثمر رحمةً  يبقى ناقصًا في ميزان العرفان.

في زمنٍ تتكاثر فيه الهويات الصلبة، يذكّرنا نهج العرفاء بأن الإنسان أوسع من انتماءاته، وأن الطريق إلى الله يمرّ عبر القلب الذي يتسع للخلق. فكلما ازداد الإنسان معرفةً بنفسه، ازداد تواضعًا أمام الآخرين. وكلما اقترب من سرّه الداخلي، ازداد رحمةً بالعالم.

الإنسانية، إذن، ليست فكرةً خارجية تُتعلّم، بل كشفٌ داخلي يُعاش. هي أن ترى في الآخر امتدادًا لك، لا تهديدًا لك؛ وأن تدرك أن الحقيقة لا تُحتكر، بل تُطلب؛ وأن تجعل من قلبك بيتًا يتّسع للناس جميعًا، كما تتّسع السماء وللنجوم.

بقلم: د. محمد حسين ترحيني


اكتشف المزيد من سراج المعرفة

اشترك ليصلك أحدث المقالات والمواضيع إلى بريدك الإلكتروني.