بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الصادق الوعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا واجعله بغيضا في نفوسنا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه وادخلنا برحمتك في عبادك الصالحين واجعل لنا بوليك رحمة وشفاعة يوم العرض والدين وتجاوز عن سيئاتنا وقبائح أعمالنا فما للعبد ملجأ إلا إليك رغم خطاياه عند العرض عليك .
بادئ ذي بدء خلق اللهُ الإنسان كائنا متحركاً وبه حركته أن أودع فيه حاجات ثلاث، وجعل عنده الرغبة لتحقيقها. الحاجة الأولى: الحفاظ على الحياة بالأكل والشرب والتنفس. والحاجة الثانية: بقاء النوع بالزواج، وهي حاجة موجودة في ذات كل بالغ من الجنسين في الإنسان وأنواع الحيوان ولولاها لما بقي كائن حي على وجه الأرض. والحاجة الثالثة: إثبات الذات، فكل إنسان يرغب أن يكون مميزا في الحياة وأعطاه الله عقلا واعيا مدركا. وجعل لكل حاجة طريقا نظيفا سليما للوصول اليها وتلبيتها، كما جعل أيضا إمكانية الحصول عليها بطرق عدة ما ملتوية، وجعل للعقل حرية الاختيار ليصبح الحساب في الاخرة “وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ”. ولمّا كان الإنسان غايه هذا الكون الذي خُلق لأجله وسُخّر له ليحيا الحياة الطيّبة فيه. فمن الطبيعي أن يجعل الله تعالى لهذا الانسان منهج خير إن التزم السير عليه سعد وفاز في الآخرة، وإن ابتعد عنه وعاش الحياة بلا قيود وضوابط هلك هلاك الأبد وكان من الخاسرين، فقد قال تعالى “وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ” أي طريق الخير وطريق الشر، وجعلنا عنده قدرة التمييز بينهما، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد شرا فلا يلومنّ إلا نفسه.
ولهذه الهداية وعلى مر العصور، كانت الرسالات السماويّة والدعوات الدينيّة لهداية الإنسان وتبصيره، تتوالى موضحة الطريق ونازعة اللبس في الأمور حتى وصلتنا مع التوحيد ناصعة بيضاء صافية المشرب واضحة الدلالة جليّة الأهداف. فالتوحيد لله لم يقيد حرية الإنسان كما ينظر جَهَلَةُ الحقيقة، بل هو تنظيم راقٍ لحركة الإنسان عِفّة وشرفا ورفعة ومكارم أخلاق في الدنيا، وسعادة أكيدة في الآخرة، ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطرَ على قلب بشرٍ.
وقد ترك لنا أنبياؤنا العظام وأولياؤنا الأطهار في آثارهم الشريفة وصايا ترشدنا في الطريق وتسدّد المسار، لتكون سيرة الموحد الحق عطرا يعبق طيبا في الحياة، وذكرا عطرا يُقتدى به، وفي وصاياهم الجليلة عِبَرٌ إن تدبرناها كانت لنا هدى وخلاص نفسٍ. فاذا كان التوحيد عقيدة وإيمانا، كان حسن الأخلاق مساره في حياتنا، وسجية لا تكلفا وخداعا، ولله درّ القائل
إني شممت من العطور جميعها وعرفت أطبيبها على الإطلاق
كل العطور سينتهي مفعولها ويدوم عطر مكارم الاخلاق
بقلم: الأستاذ الشيخ نبيل رعد / لبنان

