بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على أشرف الأمم وصحبه الميامين غُرر البشر وأئمة السالكين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبحان من خلق فسوَّى، فكان على أتم ما يكون من النظام ، وخلق الإنسان فكان في أحسن تقويم، ووهبه من لدُنه العطايا وزينهُ بالعقل والسجايا، وكلّله بالنطق والبشرية ليُظهرَ فيه آية. وجعله مفطورا على الألفة والمحبة وحب التجمهر والاجتماع، فكان نزَّاعا بفعل الطيبات والتضحيات والمروءات، ومقداماً للتحلي بهذه الصفات. فمن أهم هذه الشمائل وأجلّ وأشرف هذه الخصائل هي: النخوة والغَيرة والإقدام والبسالة والتضحية والمروءة والشهامة، لتكون لمتخصّليها صورةً وشَخصيَّةً وعَلاَمَة، فهذه المناقب والدرر قد حَثَّ عليها سيد العالمين والبشر، من حيث باريءِ النَّسَمِ أَمَر، بقوله نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم: “إنَّ اللَّهَ كريمٌ يُحِبُّ الكرمَ، ويُحِبُّ معاليَ الأخلاقِ، ويكرَهُ سَفْسافَها”. وقد شاءت إرادة الخالق العظيم، أن يكون هذا الكون مبنياً كما شاء الباريء تعالى بقوله: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”.
فكانت تلك الأخلاقيات السالفة الذكر هي الروابط والوشائج التي شدَّ الله فيها أواصر المجتمعات ومتَّن بها العلاقات بين جميع المخلوقات. فكان من يتَّسِمُ بها هو الأريب المكرّم، وهو البطل البهليل المعظَّم، وهو القطب والمحور في مجتمعه وأهله، ووصف ذلك الشاعر ممتدحاً أهل الكرم والبذل والعطاء بقوله :
أُناسٌ إذَا مَا الدَّهرُ أَظلَمَ وَجهُهُ فَأَيدِيهِم بيضٌ وأوجُهُهُم غُرُّ
يَصُونونَ أَحسَابَاً وَمَجْدَاً مُؤثَّلاً بِبَذلِ أَكُفٍ دُونَهَا المَزْنُ والبَحْرُ
فَلَولاَ مَسَّ الصَّخرَ الأَصمَّ أَكفُّهُم أَفَاضَ يَنَابيعَ النَّدَى ذَلِكَ الصَّخرُ
فما أجمل العطاء من نفس زاكية به، سمحاء بفعله، معطرة بأريحيّته، مثابة بخير جزاء من رب العالمين لقوله تعالى: “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ”.
فمن أجدر بالجزاء من نفس جادت ببعض دنيا فانية؟ لتذدخر عند من لا تضيع عنده الودائع خير الذخائر. فعلى مثل تلك الوصائف، وإدراك تلك التَّنائف، قامت المجتمعات الراقية وعمَّ الأمن والسلام والازدهار، وخسف بأهلهِ الشرُ وانسحق وغار، فمن ها هنا يُفرق ويُميَّزُ بين كل شخص وقرينه بما عمل من الصالحات، وما أدى إلى مجتمعه من الخيرات.
فلمثل هذا، فليعمل العاملون ويتسابق المتسابقون. وكما قال اللهُ تعالى في مسطوره الكريم: “فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ”.
جعلنا الله وإياكم من هؤلاء الأخيار العاملين الأبرار. الذين هم في الدنيا من الفائزين، وكان لهم عقبى الدار ،آمين.
بقلم: الشيخ نسيب يوسف عربي.

