تبدو الآية الكريمة: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125)، للوهلة الأولى توصية أخلاقية، غير أنها في عمقها مشروع معرفي، يؤسس لفلسفة حوارية تتجاوز الغلبة الجدلية نحو ترميم المعنى الإنساني في الخطاب الديني. فالله لا يأمر نبيَّه بالجدل من أجل الانتصار في الخصومة، بل بالتي هي “أحسن”، أي بما يفتح أفق الإدراك، ويستدرج العقل إلى منطقة النور لا إلى معركة الصوت.
إنّ الجدل في اللسان القرآني ليس مرادفًا للخصومة، بل للتماس الفكري بين رؤيتين في سبيل الحقيقة. ولذلك كان الأمر الإلهي للنبيّ بمجادلة الخصوم لا ينفي اختلافهم، بل يعترف به كشرط لوجودهم، إذ لا معنى للمجادلة مع مَن يُشبهك. فالاختلاف هنا ليس عيبًا، بل مادة الحياة الفكرية، و”الأحسن” هو طريقة إدارتها لا قمعها.
1. الجدل بوصفه اختبارًا للوعي
تأتي الآية في سياق دعوة شاملة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. تتدرّج الآية من العقل إلى الوجدان إلى الحوار. فالحكمة تستنهض الفكر، والموعظة تخاطب العاطفة، أما الجدل بالتي هي أحسن فيخاطب الإنسان في كليّته: عقلًا وقلبًا وضميرًا. فالجدل هنا ليس سلاحًا بل جسرًا، لا يبدأ من النفي بل من الإصغاء.
إنّ الله لا يقول: “وجادلهم بالحجة الأقوى”، بل بالتي “هي أحسن”، أي بما يرتقي عن ردود الفعل، ليُظهر أن الحق لا يحتاج إلى عنف لغوي كي يُثبت ذاته، بل إلى حسن في العرض، ولطف في البيان، وعدل في الإصغاء.
2. منطق “الأحسن” لا “الأقوى”
الأحسن في الخطاب القرآني ليس تفضيلًا تقنيًا بل أخلاقيًّا وإنسانيًّا. فالأحسن ليس ما يُقنع الآخر فحسب، بل ما لا يُهينه في طريق الإقناع. إنّ الجدل الأحسن يرفض الإلغاء، لأن الغاية ليست إسكات الخصم، بل إنقاذ الحقيقة من ضجيج الذات. ولهذا نجد أن الجدل في القرآن مقرون بالرحمة، حتى مع مَن خالف النبي عقيدةً وعداءً: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (العنكبوت: 46)، أي حتى المختلف الديني يُعامل بالتي هي أحسن، لأن الجدل ليس ميدان كراهية بل اختبار للوعي الأخلاقي.
بهذا المعنى، الجدل القرآني ليس مجرّد “مناظرة”، بل تربية للخطاب، وتزكية للنفس الناطقة. فالذي يجادل بالتي هي أحسن، يطهّر منطقه من شوائب الغضب، وينزع عن فكره غريزة التسلّط. إنه شكل من أشكال التهذيب العقلي، يعلّم المتكلم أن يكون حكيمًا قبل أن يكون مقنعًا.
3. الجدل الأحسن كأخلاق للحرية
القرآن لا يأمر بالجدل “لأجل الدعوة” فقط، بل كمنهج في التفكير. فـ”الأحسن” هنا دعوة إلى بناء خطاب لا يُقصي، بل يحتضن الحوار باعتباره أداة نموّ فكري. حين نتأمل في تاريخ الخطاب الديني، نجد أنّ المأساة الكبرى بدأت يوم تحوّل الجدل من فنّ للبحث إلى معركة للهيمنة، حيث أُفرغت الآية من روحها، فصار “الجدل” مرادفًا للمراء، وغابت “التي هي أحسن” لصالح “التي تغلب”.
فبدل أن يكون الدين محرّكًا للعقل، صار العقل خادمًا لتبرير بعض الممارسات الخاطئة باسم الدين. وهنا سقطت الأخلاق القرآنية للحوار في فخ السلطة، فاستُبدل العقل باليقين، والمناظرة بالتحريم. لقد كان من المفترض أن تكون هذه الآية بوابةً للحرية الفكرية في الإسلام، لأن الله جعل الحوار سبيلًا إلى الهداية، لا إلى التكفير.
منطق الآية لا يُلغي الآخر المختلف، بل يعترف بوجوده ويخاطبه باللطف، إذ كيف يكون الخطاب دعوةً إذا بدأ باللعن؟ وكيف يقنع من يَحتقر مخاطبه؟
4. البلاغة الروحية في “التي هي أحسن”
هناك بُعد جمالي في الآية لا يقل عن بعدها العقلي. فالتعبير بـ“التي هي أحسن” يفتح الباب للمرونة في المعنى، إذ لم يحدد النصّ ما هي “الأحسن”، ليترك المجال للاجتهاد بحسب المقام والسياق. فالأحسن مع الجاهل غير الأحسن مع العالم، والأحسن مع الظالم غير الأحسن مع الباحث عن الحق.
وهنا تتجلّى عبقرية النصّ القرآني، إذ جعل “الأحسن” معيارًا نسبيًا تُحدّده الحكمة والضمير لا النصّ الجامد. بهذا المعنى، الجدل الأحسن ليس وصفة لغوية بل حالة وجودية، تبدأ من سلام الداخل. فلا يستطيع الإنسان أن يجادل بالتي هي أحسن إذا كان في داخله خصمٌ غاضب.
الجدل الأحسن لا ينبع من الرغبة في التفوّق، بل من الرغبة في الفهم.
ومن هنا كان النبيّ (ص) حين يُجادل المشركين، لا يخرجهم من كرامتهم، بل يرفعهم إلى مقام السؤال، فيقول لهم مثلًا: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (يونس: 31)، فيجعلهم يجيبون أنفسهم، فتكون الهداية ثمرة تفكير لا قهر.
5. الجدل الأحسن في زمن الخطاب الصاخب
في عصرنا، تحوّلت المناظرات الدينية إلى مسارح لغضب الجمعي، لا إلى جسور للتفكير. تُرفع الآية شعارًا، لكنّها تُنسى في الممارسة. فالتي هي “أحسن” ضاعت في زحمة المنابر، وصارت “أحسن” تُقاس بكمية الصراخ لا بنوعية الحجة. صار الدين في أيدي بعض الوعّاظ مشروعًا للانتصار الطائفي لا للحوار الإنساني. وهكذا تهاوى معنى الآية من مقامها الأخلاقي إلى ساحة التحريض، وكأن الجدل صار وسيلةً لبناء الجدار لا الجسر. لكنّ روح الآية ما زالت قادرة على إنقاذ الخطاب من هذا التوحّش، شرط أن نقرأها بعينها الأولى:
- أن الجدل الأحسن ليس ما نُفكّر به لنُهزم الآخر، بل ما نُفكّر به لنفهمه.
- أن الحوار ليس تبادل بيانات بل تبادل وجود.
- أنّ الطريق إلى الله يمرّ عبر احترام عقل الإنسان، لا ازدرائه.
6. الجدل الأحسن كمعيار حضاري
ليست هذه الآية مجرد قاعدة وعظية، بل مبدأ حضاري يؤسّس لعلاقة جديدة بين الفكر والإيمان.
الأمم تُقاس بقدرتها على إدارة اختلافها، لا بإلغائه. ولهذا يمكن القول إنّ “وجادلهم بالتي هي أحسن” هي حجر الزاوية في بناء ثقافة الحوار الإسلامي. إنها دعوة إلى أن يكون الدين رحمة في القول كما في الفعل، وأن يكون النقاش مرآةً للأدب لا أداةً للعنف الرمزي.
فلا قيمة للحقّ إن لم يُقدّم بأدب، ولا معنى للبلاغة إن لم تصحبها رحمة وفي هذا المعنى، يمكن أن نعتبر هذه الآية “فقهًا للخطاب”، لأنها تضع حدودًا أخلاقية للفكر، وتعلّمنا أن الطريقة جزء من الحقيقة.
فمن يجادل بغلظة، وإن كان على حق، يُسقط نوره في ظلمة أسلوبه. أما من يجادل بالحسنى، فإنه يُشرك الآخر في نور الحقيقة، ولو لم يُقنعه تمامًا.
خاتمة
إنّ “وجادلهم بالتي هي أحسن” ليست مجرد أمرٍ حواريّ، بل روح رؤية قرآنية للعلاقة بين الإنسان والآخر، بين الإيمان والعقل، بين الكلمة والكرامة. هي لحظةُ انفتاح النصّ على الأخلاق، إذ يجعل الحوار فعلًا من أفعال الرحمة لا الحرب. ومن لا يجادل بالتي هي أحسن، لا يدافع عن دينه بل يُشوّهه، لأنّ الله الذي دعا إلى الجدل بالحسنى هو نفسه الذي قال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (فصلت: 34)، فجعل “الأحسن” خُلقًا شاملًا، يتجاوز الفعل إلى الوعي.
فالآية ليست درسًا في الجدال فقط، بل في الإنسان:
- أنّ الكلمة الطيّبة لا تُقال لتُنتصر، بل لتُطهّر القلبين معًا من صلابة الجهل.
- وأنّ الجدل الأحسن ليس حيلة خطابية، بل هو صلاة فكرية، تُقام بالعقل على محراب الكلمة.
بقلم: د. محمد حسين ترحيني/ لبنان.

