السِّباق إلى الله

السِّباق إلى الله

يقول  الأمير السيد عبدالله التنوخي (ق): “واعلموا أن الدنيا ميدان، والأجسام خيل، والنفوس فرسان، والسباق هو إلى الله.”

 حقيقة الميدان

إنّ الدنيا ليست دار استقرار، بل دار عبور وامتحان، فيها يختبر الله عزائم عباده، ويزن قلوبهم بميزان الصدق. قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (الملك: 2). فمن ظنّها غايةً فقد جهل حقيقتها، ومن اتخذها وسيلةً للدار الباقية فقد أحسن السير فيها. الميدان ليس في اتساع الأرض، بل في ضيق الصدر واتساع الصبر، وليس في كثرة الحركات، بل في نقاء النيّات. قال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (العنكبوت: 64).

 الخيل والفرسان

الأجسام هي مطايا الأرواح، تُساق بها نحو الخير أو الشرّ، والأنفاس هي خطاها في الميدان. أمّا النفوس فهي الفرسان، منها من تأنف الدنايا فترتقي، ومنها من تأنس بالتراب فتهوي. والفرس لا تبلغ الغاية إلا إن روّضها فارسها، كذلك النفس لا تصل إلى الله إلا إن كبحها صاحبها عن الهوى، وساسها بالحكمة والذكر. قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} (الشمس: 7–10).

 السباق إلى الله

ليس السباق هرولة بالأقدام، بل هو مسير القلوب في طريق الطاعة، ومجاهدة الهوى، وصبر على البلاء. فيه يتقدّم من كان صادق النية، ثابت الخطى، طاهر السريرة. لا يسبق فيه القوي بجسده، بل القوي بإيمانه، ولا يُحرَم فيه الضعيف إن صفا قلبه. فالميدان مفتوح لكل من قال: يا رب، إليك المصير. قال تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} (المائدة: 48)، وقال أيضا عزّ وجلّ: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} (الحديد: 21).

 الفوز الحقيقي

الفوز في هذا السباق ليس مالًا ولا جاهًا، بل أن يُفتح لك باب القرب، وأن تُقبِل على الله بقلبٍ سليم. من ظفر برضاه فقد سبق، وإن لم يُعرف في الناس، ومن أعرض عن وجهه ضلّ وإن علت منزلته. قال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (الشعراء: 88–89).

إنّ النهاية الحقيقيّة ليست عند انقضاء العمر، بل عند لقاء الحقّ سبحانه، هناك حيث تُعلن النتائج وتُوزّع المراتب، {فِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} (المطففين: 26).

 في الختام

إنّ السير إلى الله مسيرُ معرفةٍ ومجاهدة، تُزكّى فيه النفسُ من شوائب الغفلة، وتتهذّبُ فيه القلوبُ بنور الإخلاص. فليس القربُ بالأقدام، ولكن بنقاء السريرة وصفاء النيّة. فمن شمّر في طلبِ العلم عن ساقِ العزيمة، وواظب على الإقلاع عن الشهوات والمحرمات، تلذّذ يوم القيامة بالغايةِ القصوى، حتى إذا تجلّى الحقُّ لعباده، كان من أهل النور والبصيرة، قد بلغ مقام الطمأنينة والرضا، حيث السلام الذي وعد الله به أولياءه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد: 28).

بقلم: الأستاذ الشيخ يحيى عبد الخالق.


اكتشف المزيد من سراج المعرفة

اشترك ليصلك أحدث المقالات والمواضيع إلى بريدك الإلكتروني.