تشرّفتُ مؤخّرًا بالاطلاع على مقالاتٍ منشورةٍ على صفحتكم الغرّاء . ولا مشاحة، أنها بمجملها رصينةُ المعنى، شديدةُ السكبِ، أصيلةُ المصادر والمراجع، أخلاقيةُ التوحيدِ، عِرفانية المسلكِ والتوجّه.
وفيما دفعني، دقيقُ التصويب بعد دراسةٍ ومراجعة، أنها اشتملت بمعظمها على أدب السيرةِ، وما يتعلّق بهِ من رونق التوصيف على بيّناتِ الموصوفِ، سيما ما ورد في مقالة ” الزاهد … ” ، وغيرها، وعلى الرغم من ذلك كلهِ، لم تشتمل إحداها على دراسةٍ نصيّةٍ تقربُ من علم المقارنة، فتتيح للمُتلقي سبرَ تلك الشخصيات في أفعالها ومآثرها وأثرها التربوي فضلاً عن الروحاني الصِّرف. ( مع علمي المُسبق بأن وسائل التواصل لا تتيحُ عملاً بحثيًا متخصصًا ) .
لذا، آثرت أن أعرضَ جانبًا بحثيًا مُختصرًا، علّهُ يزيدُ الفائدة، ويشجّعُ البعض على منهجيةِ البحث، إضافًة وتبحُّرًا بإحدى أهمِّ وأرقى الشخصيات التوحيديةِ، منقَبًة وتأثيرا .
فاسمحوا لي عُذرًا، بعرض التالي :
مما لا شكَّ فيه، بأن ” عبد الغني هاشم العبجي” ، قد أجزلَ في وصف شخصيتنا موضوع المقالة، حيث يقول:” هو أحدُ من أظهرهُ اللهُ الى الخلق وصَرفَهُ الى الوجود، ومكّنهُ من الأحوالِ و ملّكهُ الأسرار ..إلخ”.
فكيف يستوي عنوانُ ” الزاهد” عليه وهي إحدى خصاله البديهيات في مسلكه؟!! وأراني غير مُنتقِصٍ – لا قدّر الله- من قدرِ وقيمة المؤلّف المذكور، بل متسائلًا ، ضنينًا حريصًا.
ما دفعني الى مراجعة ” الإشاراتِ والتنبيهات/ ما بعد الطبيعة ” للعلّامة الرئيس ابن سينا ، حيث يقول :
” إنَّ للعارفينَ مقاماتٍ ودرجاتٍ، يُخصَّونَ بها في حياتهم الدُّنيا، دون غيرهم فكأنّهم وهم في جلابيبٍ من أبدانهم قد نَضَوْهَا وتجرّدوا عنها الى عالم القُدس، ولهم أمورٌ خفيّةٌ فيهم، وأمورٌ ظاهرةٌ عنهم، يستنكِرُها من يُنْكِرُها، ويستكبِرُها من يعرِفُها … فالمُعْرِضُ عن متاع الدُنيا وطيّباتها يخصُّ باسمِ الزاهدِ، والمواظبُ على نفلِ العباداتِ : من القيام والصيام ونحوهما، يخصُّ باسم العابدِ، والمنصرفُ بفكرهِ الى قُدس الجَبَروتِ مُستديمًا لشروقِ نورِ الحقِ في سرّهِ، يخصُّ باسم العارفِ . وقد يتركّبُ بعضُ هذه مع بعض.
العرفانُ مُبتَدِىءٌ من : تفريقٍ ونقضٍ، وتركٍ ورفضٍ، ممعنٌ في جمعٍ هو جمعُ صفاتِ الحقِّ، للذات المُريدةِ بالصّدقِ، منتَهٍ الى الواحدِ، ثم وقوف. من آثرَ العرفانَ للعرفان، فقد قال بالثاني، ومن وجدَ العرفان كأنّه لا يجدهُ، بل يجدُ المعروف به، فقد خاض لُجَّة الوصول . وهنالك درجاتٌ، ليست أقلُّ من درجاتِ ما قبلهِ… ومن أحبَّ أن يتعرّفها، فليتدرّج الى أن يصيرَ من أهل المشاهدةِ، ليس المُشافهة، ومن الواصلين الى العينِ، دون السامعين للأثر. ” انتهى الاقتباس.
يتّضحُ لنا مما تقدّمَ، حقُّ تسمية الإمام ب ” العارف”، وفاقًا لما عُرِّفَ به وعُرِفَ عنهُ. ففي سيرتهِ وأفعالهِ ما يُدفِقُ العَبْرةَ و يُوجِبُ العِبرةَ، ويبعثُ الى تامُّلٍ روحانيٍ صِرف، فهو ذاك الذي اختبرهُ الله بفقد الأحبّةِ تِباعًا، وما كان موقفهُ إلاّ إذعانًا لمشيئة الخالق العظيم، فاستردَّ الأمانة منهُ في أولاده الثلاثة ( عبد الخالق الأول، محمّدٌ ثم فاطمة ) حيث لم يبقَ لهُ منهم إلاّ رابعٌ ( سيفُ الدين عبد الخالق الثاني) الذي صحِبَ والدهُ لاحقًا إلى دمشق حيث تبحّرَ في العِلمِ فبلغ الدرجات العالية، ثم عاد الى بلده وما كاد يقْرُبُ الثانية والعشرين حتى يتوفّاهُ الله في يومِ عُرسهِ، وما كان من والده الإمام – بعد دفنه لولده ودعوة الناس الى الطعام – إلاّ أن وقف بهم خطيبًا وقال :
” أيها الناس !! يطوي العمر الجديدان ولا فوتَ من الموت، وهوى النفوسِ ظُلمةٌ وفعلُ الإلهِ حكمةٌ ونسيانُ الحقِ نِقمةٌ ومساعي الثواب همّةٌ. ولكم عند الله من الخير ما تكتَنِزونَ ومن الشّرّ ما تكسِبون. ونحنُ وإياكمُ في قبضةِ مالكٍ وهو المُنجّي برحمتهِ من كل هالكٍ. قبول أوامر الله طاعةٌ وصبر، والإنابةُ الى رحمتهِ عِزّةٌ ونصر، فطوبى لمن قبل أوامر الله طاعة وجعل مدّةَ الحياةِ ساعة وركِب جوادَ القناعة وعلّق في الحكمة الربانيةِ فكرةٍ لمّاعة وقيّدَ النفسَ بقيد الوراعة، ورفعَ أنوار العقلِ في دوام إخلاص الضراعة، وجعل في حقّ الموتِ أمانةَ الرضى والتسليم الوداعة ….إلخ ” انتهى الاقتباس .
صدقتَ أيها العارفُ الموحّد، أن أعمارنا يطويها اللّيل والنهار كصفحةٍ في كتاب هذا الوجود. لكنك قضيتهما عابدًا ساجدًا ، قنوعًا قانتًا، يتيمًا فاقدًا، كريماً كاتبًا، قريبًا عارفًا . فبعدَ دُنيةٍ دنيّة خاتمةٌ مرْضيّة .انتهى .
قائمة المصادر والمراجع :
– دنيا، سليمان، ” الإشارات والتنبيهات، للرئيس ابن سينا” ، القاهرة ، دار إحياء الكتب العربية 1949.
– تدمري، عمر عبد السلام، ” صدق الأخبار، تاريخ ابن سُباط” ، طرابلس – لبنان ، جروس برس، 1993 .
– مكارم، سامي، ” لبنان في عهد الأمراء التنوخيين” ، بيروت، دار صادر، 2000 .
بقلم: الأستاذ مكرم محمد العريضي/ لبنان

