منذُ بدءِ الوعيِ الإنسانيِّ والأقوالُ المأثورةُ تُرافِقُ الإنسانَ من جيلٍ إلى جيلٍ، ونُلاحِظُ أنَّ مُعظَمَ هذه الأقوالِ يُرَدِّدُهُ بَنو البَشَرِ مِن دونِ تَعديلٍ في المعنى، وإن طَرَأَ تَغيُّرٌ في الكلامِ المنطوقِ؛ ولعلَّ مَقولةَ “العُمرُ غَفلةٌ” قد رافَقَتِ البَشريَّةَ منذُ فَجرِ الوُجودِ. فما العُمرُ؟ وما الغَفلةُ؟ وما معنى “العُمرُ غَفلةٌ” في مَفهومِنا الشعبيِّ؟
العُمرُ هو المُدَّةُ الزّمنيَّةُ التي يَعيشُها الكائِنُ الحَيُّ قبلَ أنْ يَنالَ منهُ الموتُ، والغَفلةُ كما وَرَدَتْ في لسانِ العربِ هي النسيانُ وعدمُ الانتباهِ والغيابُ عن الذِّكرِ أو الانشغالُ عن شيءٍ؛ وأنْ يكونَ العُمرُ غَفلةً أي هو انشغالٌ ونسيانٌ وغيابُ ذِكرٍ وعدمُ انتباهٍ.
نعمْ، أَعمارُنا غَفلةٌ، وعُمرُ الدُّنيا كلّه غَفلةٌ ما دُمْنا لمْ نَجعَل منها مَزرعةً مثمرةً للآخَرة.
العُمرُ غَفلةٌ، فما إنْ يَفتح الطفلُ عينيهِ على العالَمِ حتّى يَجدَ نَفسَهُ على حافَّتِه يَنتظرُ شَبَحَ الموتِ، وطوبى لِمَنْ كانَ يَنتظرُ مَليءَ الجعبةِ بالحسناتِ، وبِئسَ مَنْ يَقِفُ ذليلًا خاليَ الوِفاضِ. أيُّها الناسُ، الغَفلةُ في القلبِ باتَتْ تَقتَحِمُ كُنوزَ الرّوحِ في مُجتمعٍ فَقَدَ فيهِ الطّفلُ بَراءتَهُ، وعَدِمَتْ المرأة حَياءَها، وأهمل الرجلُ غيرتَهُ على عِرضِهِ وأرضِهِ، وخسر العجوز حِكمتَهُ.
وما العمر اليوم، وقد اقتحم تَطوُّرُ التّكنولوجيا عُقولَنا وتَفاصيلَ مَعيشتِنا حتّى صارَ الذّكاءُ الاصطناعيُّ يُغنينا عن الأبِ الحنونِ والطبيبِ الحَذِقِ والشّيخِ الحكيمِ، فصار هذا المصطَنع هو النّاصِحَ والمُرشِدَ والمُتَعاطِفَ والمُحبَّ وصاحِبَ الكلمةِ الرّاقيةِ والعِلمِ الغنيِّ؟
أَغفلْنا مَنْ حولَنا فأسأنا إلى أَنفُسِنا أوّلًا؛ نَسينا حَقَّنا في الأرضِ والطّبيعةِ والهواءِ وحَبَسْنا أَنفُسَنا وأَنفاسَنا أمامَ شاشاتٍ جامدةٍ، وصرنا نَتَهافَتُ على شَحنِ هاتفنا، وكأنَّ أَعمارَنا مَنوطةٌ بعُمرِ شاحنها، بعدَ أنْ جَعَلْنا هذه الآلةَ عالَمنا.
أيُّها القُرّاءُ الأعزّاءُ، أَمَا تُلاحِظونَ سُرعةَ تَسَرُّبِ السّاعاتِ ما بينَ الليلِ والنهارِ؟ أَمَا راعَكمُ انهيارُ العُمرِ ونحنُ نُلاحِقُ وَهمَ المَعرِفةِ ووَهمَ التلاقي مع أُناسٍ لا نَعرِفُ عنهم إلّا ما نَراهُ على صَفحاتِهم، ومع ذلكَ نَدّعي أنَّهم أَصدقاؤُنا وأَقارِبُنا؟ فأيُّ عُمرٍ هذا الذي غَفلْنا فيهِ عن المعنى الحقيقيِّ للوجودِ والصَّداقةِ والمعرفةِ؟
العُمرُ غَفلةٌ قالَها الأقدمونَ حينَ وَجَدوا أَنفُسَهم يَصرفونَ ما تَبَقّى في خَزائنِ الروحِ من بقاءٍ، فهلّا شَعَرنا نحنُ بمعنَى هذه المقولةِ قبلَ فَواتِ الأوانِ. هلّا انتَبَهْنا وتَذَكَّرنا أنْ نَحيا ونَعيشَ كما يَليقُ بإنسانيّتنا وعُقولِنا قبلَ أنْ يُقرَعَ جرسُ الإنذارِ الأخيرِ ويَأتي مَن يُنبِّهُنا إلى انتِهاءِ الوقتِ، وقتِ الضَّياعِ.
العمر غفلة، وما أصدق الشّاعر أبا العتاهية الذي فَهِمَ الحياةَ وخَبِرَها واختصرَ معناها حين قال:
- أعمالنا تُعلي وتَخفض شأننا
وحسابُنا بالحقّ يوم الغاشية
- فاختر لنفسك ما تُحبّ وتبتغي
ما دام يومُك واللّيالي باقية
- وغداً مصيرك لا تراجع بعده
إمّا جنان الخلد وإمّا الهاوية.
بقلم: المعلمة ليندا أَمين بو مُجاهِد دربيّة/ لبنان

