بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى في مُحْكمِ كتابِه: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. وهذه الآيةُ الكريمةُ إنْ دلَّتْ على شيءٍ فإنَّما تدِلُّ على ما خُصَّ به الإنسانُ من نِعَمٍ بها يستطيعُ إدراكَ الغايةِ من وجودِهِ، وهي عقلُ ما يسمعُهُ أو ما يُبْصرُهُ، لأنّ قيمةَ المرءِ بالبصيرةِ لا بالبصر، وبإدراكِ ما يسمعُهُ، لا بمرورِهِ سَنْحًا على أُذُنَيهِ من غيِر خضوعِهِ إلى دقّةِ النَّظر، وهذا ما يفسِّرُه قولُهُ سُبحانَه في كتابِه العزيز: ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
ولعلّ أعظم ما هدى به الله تعالى البشر منذ ولادة آدم عليه السلام هو العلم بقوله تعالى : ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، وبما أنَّ حقلَي التربيةِ والتعليمِ رسالةٌ إنسانيّةٌ خصَّ بها اللهُ تعالى أنبياءَه عليهمِ السلامُ، فسنحاولُ وإيَّاكمْ فَهْمَ هذه الرسالةِ من طريقِ إدراك معناهما، فلعلّنا نصلُ إلى ما يصبو إليه المجتمع المثالي من تحقيقِ تربيةِ الأجيالِ الصاعدةِ على القيمِ الإنسانيّةِ من جهةٍ، والعلومِ التطبيقيةِ من جهةٍ ثانية.
فالحقلُ بمعناهُ المادّيِّ: الأرضُ الفَضاءُ الطيِّبَةُ يُزْرَعُ فيها.
أمّا بمعناه المعنويِّ، فقدِ اتَّخَذَ عِدَّةَ تعريفاتٍ منها على سبيلِ المثال:
إخضاعُ مجتمعٍ أو جماعاتٍ لتجربةٍ أو تجاربَ يكونُ الغرضُ منها تحقيقُ شعارات.
– حَقْل الرِّمايةِ: مكانٌ مهيَّأٌ للتدرّبِ فيه على إصابَةِ الهدفِ.
– حَقْلٌ علميٌّ: مَيْدانٌ أو مجالٌ علميٌّ.
– حَقْلٌ: مجالُ خبرةٍ أو نشاطٌ أو معرفةُ المرءِ، أو مدى اهتماماتِه أو إطارُ مركزِهِ الاجتماعيِّ.
وبهذه التعريفاتِ يتّضحُ لنا أنَّ الحقلَ لا يقتصرُ على معنًى واحدٍ فحسب، وإنما على معانيَ جمّةٍ، ولكنْ ما يهمنا منها هو أن تكونَ الأرضُ الطيبةُ أعني نفوسَ أبنائِنا الطلابِّ التي تُزرَعُ فيها غراسُ الخيرِ مهيأةً لتحقيقِ الهدفِ الذي نسعى إليه، وإصابتِهِ بإتقانٍ من خلالِ النشاطِ والخُبرةِ والمجالِ العلميِّ بحيثُ نؤمّنُ لأطفالِنا مُستقبلاً زاهرًا، يجمعُ إلى مكانتِهمِ العلميةِ قيمًا إنسانيّةً تساهمُ في بناءِ شخصيتِهمِ المعنويةِ والماديّةِ على حدٍّ سواء.
أمّا التربيةُ فعرَّفها فلاسفةُ اليونانِ بأنَّها عمليةٌ منظمةٌ تهدِفُ إلى تهذيبِ الفردِ وتنميةِ الأخلاقِ الفاضلةِ والاجتماعيَّةِ، وكانَ سقراطُ الحكيم ُيرى أنَّ التربيةَ هي عمليةٌ تقومُ على الحوارِ الفكريِّ المنهجِيِّ لإثارةِ الوعي واكتشافِ الحقيقةِ والمعرفةِ الداخليةِ، وأنها سبيلٌ لاكتشافِ معرفةِ الخيرِ والفضيلة.
ولم يكن أفلاطونُ الحكيمُ بعيدًا في تعريفِ التربيةِ عن سقراطَ حينَ قالَ: بأنها عمليةُ تدريبٍ أخلاقيٍّ يقومُ فيها الجيلُ الأكبرُ بنقلِ العاداتِ الفاضلةِ والحكمةِ إلى الجيلِ الأصغرِ، وأنها وسيلةٌ لتحقيقِ العدالةِ الاجتماعيّةِ والفرديّةِ، وذلكَ بتمكينِ كلِّ فردٍ منْ تطويرِ قدراتِهِ.
بينما أكَّدَ أرسطوطاليسُ الحكيمُ أن التربيةَ مسؤوليةُ الدولةِ، وهي وسيلةٌ أساسيةٌ لإعدادِ المواطنينَ الأحرارِ، وتهدِفُ إلى تحقيقِ الفضيلةِ والسعادةِ والعدالةِ في المجتمعِ منْ خلالِ تربيةٍ أخلاقيةٍ متكاملةٍ.
وبذلك يمكنُ القولُ إن أهدافَ التربيةِ عندهم تُختصَرُ ب:
– تنميةِ الفضائل والأخلاق
– تحقيقِ العدالة
– بناءِ الدولة والمجتمع
– تنميةِ قدرات الفرد
أمّا التربيةُ بمفهومها الإسلاميِّ فلا تبتعدُ كثيرًا عن المعنى الذي أرادَه منها الفلاسفةُ اليونانيون فهي كما عرَّفَها العلماءُ المسلمون:
– لغة، تعني الزيادةَ والنماءَ، والنشأةَ، والرعاية.
– أمّا اصطلاحاً، فالتربيةُ الإسلاميةُ هي عمليةٌ منظمةٌ تستهدفُ تكوينَ إنسانٍ مسلمٍ متكاملٍ روحياً وفكرياً وأخلاقياً وجسدياً، من خلالِ تطبيقِ تعاليمِ الكتابِ والسُّنَّةِ، بهدفِ تحقيقِ العبوديةِ للهِ تعالى، وصلاحِ الفردِ والمجتمعِ.
أمّا التعليمُ فهو عمليةُ نقلِ المعرفةِ والخبراتِ والمعلوماتِ من المعّلمِ إلى المتعلّمِ، بهدفِ تنميةِ التفكيرِ، وتطويرِ المهاراتِ، وإعدادِ الفردِ للحياةِ بشكلٍ كاملٍ ومستنير. إنه عمليةٌ منهجيةٌ ومنظمةٌ تهدِفُ إلى إحداثِ تغييرٍ إيجابيٍّ ودائمٍ في سلوكِ الفردِ وعقلِهِ، مما يساعدُهُ على فهمِ العالمِ مِنْ حولِهِ وتَنميةِ قدراتِه الفكريةِ والعملية.
وفيما أشرنا إليه يتَّضحُ لنا أنَّ التعليمَ كما التربيةَ عمليةٌ تفاعليةٌ بين مفيدٍ ومستفيدٍ. وهذه العمليةُ تحتاجُ الى وعيٍ للذاتِ أولاً، وللآخرينَ الذينَ يتلقونَ الإفادة َثانيًا.
ولنجاحِ هذه العمليةِ علينا إدراجُ القيمِ الإنسانيّةِ في حقلِي التربيةِ والتعليمِ، لأنَّ الغايةَ من وجودِ الإنسانِ تحقيقُ إنسانيتِهِ، فالتربيةُ ليستْ نصوصًا تدرّسُ كمادةٍ تُحفظُ قوانينُها التنظيميةُ ومفاهيمُها الأخلاقيّةُ فحسب، وإنما هي ممارسةٌ يوميةٌ ترتبطُ بالإنسانِ في سفرِهِ من الطفولةِ الى الشبابِ ومنه الى الكهولةِ فآخرِ العمر. أو قلْ بشكلٍ آخرَ في سفرِهِ من الطبيعةِ الى التطبّعِ بآثارِ العقلِ والمعرفةِ، ومن ظلمةِ الجهلِ الى نورِ العلمِ. وعندما أقولُ العلمُ، فلستُ أعني به العلومَ النظريةَ أو التطبيقيةَ، وإنْ كانتْ قد ساهمتْ بشكلٍ فعّالٍ في نهضةِ المجتمعاتِ البشريّةِ، لجهةِ التطورِ التكنولوجيِّ، والذكاءِ الاصطناعي، والطِبِّ والفلسفةِ والنجومِ والهندسةِ وغيرِها من العلومِ الدُنيويةِ. لأنَّ كل َّما ذكرتُه من تطوراتٍ تكنولوجيةٍ يندرجُ تحتَ راحةِ الجسمِ الإنسانيِّ أو دمارِه، أمّا الأهدافُ التي تُدرجُها منظماتُ الأممِ المتّحدةِ في بياناتِها بخصوصِ حقوقِ الإنسانِ فستبقى حبرًا على ورقٍ، ما دامتْ بعيدةً عن التطبيقِ، وسيبقى الإنسانُ حيوانًا ناطقّا، ما لم يحققْ قيمَه الإنسانيةَ منَ العقلِ والحلمِ والتواضعِ والعلمِ التي بتحقيقِها يرتقي بنفسِهِ الى عالمِ الخيرِ والفَضيلة.
ويبقى السؤالُ على مَنْ تقعُ مسؤوليةُ هذا البناءِ، أعني بناءَ الإنسان؟
لا شكَّ في أنّ المثلَ السائرَ :”لولا المربِّي ما عرفتُ ربّي”، يندرجُ تحتَ هذا السؤالِ، لأننا عندما نقولُ المربّي، فهذا يعني أن على كلِّ مَنْ يقومُ بتربيةِ الأجيالِ أنْ يكونَ حاملاً للقيمِ التي ينقُلُها للأجيالِ الصاعدةِ، فالتربيةُ في شمولِها هي نتيجةُ كلِّ التأثيراتِ التي تُوَجِّهُ حياةَ الإنسانِ وسلوكَهُ. والتربيةُ بالنموذجِ أسمى مراتبِ التربيةِ؛ لكونِها تجعلُ بين يدي المقصودِ بالتربيةِ نموذجًا حيًّا للاقتداءِ. وإنما يحدِّدُ المدرسةَ ويعطيها معناها الذي به استحقتْ ما توصفَ به من مدحٍ أو ذمٍّ شخصُ المعلمِ. بل ليستِ المدرسةُ في الحقيقةِ إلا المعلمَ.
فالمعلّمُ المربي يتبوأُ منزلةً عظمى ومكانةً شريفةً في تربيةِ النشءِ، لأنّ تعليمَهم منوطٌ به، وهو أوّلُ ما يتعلقُ به الطفلُ بعد أبويْهِ، يأخذُ عنه المعارفَ والأخلاقَ وسبلَ المعاملةِ جميعِها، حتَّى إنكَ تجدُ الطِّفلَ يتَّخِذُ معلمَه حجةً ينافحُ بها عن رأيهِ قائلاً: “قال المعلم”.
فمن صفاتِ المعلمِ
– الاستعدادُ الفطري:
فالاستعدادُ الفِطريُّ أوَّلُ مؤَهَّلاتِ المعلمِ؛ لكونِ هذه الخاصيةِ تمثِّلُ أساسًا تبُنى عليه المؤَهَّلاتُ الأُخرى. غيرَ أنَّ الاستعدادَ الفِطري وحدَه في المعلمِ الموهوبِ غيُر مُجْدٍ؛ فهذه الهبةُ التربويةُ لا تكْفِي وحدَها في مهنةِ التعليم. وإذا كان الموهوبُ ذكيًّا وكانَ رقيقَ القلبِ، حاضرَ البديهةِ، ذا شخصيةٍ جذابةٍ ولم تتوفرْ لديهِ المعرفةُ الكافيةُ فإنَّهُ لا يَصْلُحُ لمهنةِ التعليمِ. كما لا تُغْني هذه الهبةُ عن الاطلاعِ على طرقِ التعليمِ ومعالجةِ مشاكلِ الطفولةِ، ولا تقومُ مقامَ الاستعدادِ الجسميِّ والقيمةِ الخَلْقِيةِ.
– المؤهلات الجسمية والعقلية للمعلم
ثمة ملامح أخرى تشكل شخصية المعلم عامة، منها المؤهلات الجسمية لما لها من قيمة كبرى في التوازن النفسي للمعلم وثقته في ذاته. والصفة الجسمية الضرورية التي لا غنى عنها هي اتزان الأعصاب، وتحمّل التعب. لأن عمل المعلم متعب جدا ومرهق.
أما الصفات العقلية فترتبط بمدى تمكن المعلم من تخصصه؛ إذ من صفات المعلم العقلية الاطلاع الواسع الذكي. وأن يعرف كل ما يتعلق بمهنته، أن يتقن مادته ويكملها بالأفكار الجديدة. والنقص في المادة أو القصور العام غالبا ما يكون سببا للمشاجرات بين المعلم وتلاميذه. فالتلاميذ يشعرون بقصور المعلم، وتذهب من نفوسهم سطوته فيشاغبون طويلا ولا ينتبهون.
ينضاف إلى هذه الصفات العقلية فضيلة تمتع المعلم بنفاذ البصيرة ودقة الحس؛ فإن ذلك يجعله عارفا بنفسية المتعلمين وانفعالاتهم وسلوكهم والفوارق الحاصلة بينهم. يستقرئ أحوالهم كلها بقصد التوجيه والتقويم والدعم والمعالجة، حتى يضمن سير جماعة المتعلمين في موكب واحد، تكون الفوارق بين أفراده متقاربة ما أمكن.
لذلك كلّه نلاحظ مما تقدّم أن القيم الإنسانية في حقلي التربية والتعليم منوطة بالمعلّم المربّي، وما المثل السائر: “لولا المربي ما عرفت ربي”، كما ذكرنا في بداية هذه المحاضرة إلاّ خلاصة تجارب من سبقنا من الفلاسفة والأنبياء والحكماء؛ فعلى المعلم إذن أن يحمل هذه القيم ليكون قدوة صالحة في مجتمعه، وحينئذ يكون قد أدّى رسالته حقّها، ولا يمكنه أن يؤدّي هذه الأمانة إلاّ إذا كان مراقبًا لحركاته وسكناته وكلامه وتصرفاته، فالتلميذ مرآة المعلم، وما ينطبع في نفس التلميذ من صور الخير أو الشرّ فمن المعلم، لأنه قطب الرحى الذي تدور عليه القيم الإنسانيّة في حقلي التربية والتعليم. وما دامت هذه القيم بخير فسيبقى مجتمعنا الإنساني بألف خير.
.بقلم: الشيح د. وجدي الجردي/ لبنان
رئيس جمعيّة الإشراق الخيريّة مدير عام مدارسها.

