القِوامَة بين التكليف والرحمة: قراءة في قوله تعالى “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ”

القِوامَة بين التكليف والرحمة: قراءة في قوله تعالى “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ”

قال تعالى محكم كتابه المجيد: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ”.

لقد خلق الله تعالى الإنسان على أحسن تقويم، فكان الذكر وكانت الأنثى، وكل منهما كامل في ذاته، لما هيَّأ الله  تعالى له. ففي الرجل القوة، والعنفوان، والصلابة في اتخاذ المواقف والقرارات الحاسمة بعد التفكير والتمعّن. وفي المرأة  العطف واللطف والحنان، لما قدّر جلّ جلاله لها من ولادة، وتربية الأولاد، وحفظ البيت وصيانته. ولا فضل لرجل على امرأة ولا لامرأة على رجل عند الله بسبب جنسيّهما، لأن صفاتهما وقدراتهما وخصائصهما، تشكل تكاملا رائعا أرادها الخالق جلّ وعلا لإنشاء أسرة كريمة قائمة على حاجة الواحد للآخر. فاذا طبقا معا منهاج الله تعالى، وجعلا قوامة الرجل على المرأة، تكليفا لا تشريفا، فيكون هذا التطبيق الخيّر والصحيح في ميزان حسناتهما، وإذا جعل الرجل تلك القوامة بخلاف مراد الله منها، فاستعملها سلطانا للبطش، وذريعة للغطرسة، وتعزيزا لمفهوم الذكوريّة السلبي، عندها سيُسأل عنها (القوامة) حتما بين يدي الملك العدل، المطلع على سرائر النفوس وخفايا البيوت، غدا يوم القيامة، ولات الساعة ساعة مندم.

القوامة، هي أن تعامل مَنْ تركت الأم والأب والأخ والأخت برأفة وحنان، لتكون لكَ وحدكَ، ولتكون أنت لها الأب والأم والعوض عن كل الأهل. فهي قد تركت حنان الأهل لا لتظلمها بقسوتك وتلومها بعنجهيتك! فقد جاء في الحديث: “اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة”،  “وكانَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- في مَسِيرٍ له، فَحَدَا الحَادِي، فَقالَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: ارْفُقْ يا أنْجَشَةُ، ويْحَكَ بالقَوَارِيرِ”، وذلك الرفق هو لرقة شعورهنّ وسرعة تأثرهنّ بكل قسىً في المعاملة. القوامة أن تتفاهم وزوجتك بكل حلم واحترام، لا أن تهينها بصلف وتكبّر، القوامة أن تكون قائدا بمودتك وسيدا بعطفك، لا جبّارا بصوتك القاذع، وسوطك الظالم اللاذع. فالقوامة الحقيقيّة أن تقي أهلك شرّ الحياة وأن تتحمل عنهم المرّ صبرا، لترسم لهم الحياة حلوة وجميلة. القوامة الفذّة هي أن تصبر على ضعفها وتقويه، لا أن تكسر عزة نفسها بالغلاظة والتعنيف. هي أن تنفق بكل محبة، وعن رضى ولا تبخل، هي أن تعدل في حالتي الرضى والغضب، فالحقّ واحد لا يتجزأ، ولا يتغيّر بتغيّر المزاج، هي أن تعاملها بنَصَفَة، ولا تكسر لها خاطرا. 

قال تعالى في محكم كتابه: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً” فقوله جلّ شأنه من أنفسكم ليس كما يفهمها البعض، بل أراد سبحانه وتعالى أن ينير عقولنا أن للزوجة كما للزوج، مشاعر وأحاسيس، فهي تتألم، وتفرح، وتتمنى، وتريد، وترفض، فما ترضاه لنفسك عاملها به.

وتأكد أيّها الزوج الكريم، أن من مصاديق المودة والرحمة، فهمك لدورك ودور زوجتك المرسومين إلهيّا في الحياة، فبحنانها وعطفها تتم تربية الأولاد، وبجدك واجتهادك وتعقّلك وسعة فكرك، تصحَ لك القيادة والرعاية، وبهذين الدورين، تصل سفينة الزوجيّة إلى شاطئ الأمان، وتكون الثمرة قُرّة عين لكل منكما، مصداقا لقوله تعالى: “رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ“، فمن معاني هذه الآية الكريمة، أن يكون الزوج قرّة عين الزوجة، والزوجة قرّة عين الزوج، وأولادهما قرّة عين لهما، وهذا هو البيت التوحيدي المثالي المبني على طاعة الله في الاحترام المتبادل والتربية الصحيحة.

إن علاقتكما أمانة حددها الله تعالى بشرطين: “فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ“، والإحسان أقرب الى الله من العدل، وهو طلب مباشر من الله تعالى بأن تعطيها أكثر مما تستحق من الحقوق في حال الانفصال، فالعدل قسريّ، والإحسان طوعيّ، الذي يؤجر المرء عليه أجرا عظيما. وفي عدم العدل أو الظلم، يدخل المرء في جمله المطففين الذين هدّدهم المولى بقوله: “وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ”. فإذا اختلت القوامة، وانعدم التقدير، وانكسرت المودة، وفُقدت الرحمة، تكاثرت المشاكل وسقط البيت على رؤوس مَنْ فيه، وأول مَنْ يجني ثمرة الشقاء هذه، هم الأولاد خاصة إذا كانوا صغارا.

اللهم اجعل لنا في بيوتنا من نور القوامة، وحسن التبعُّل إحسانا، ورحمة، وحبّا، وسكينة، تكون لنا ذخرا يوم العرض والحساب .

بقلم: الأستاذ الشيخ نبيل رعد.


اكتشف المزيد من سراج المعرفة

اشترك ليصلك أحدث المقالات والمواضيع إلى بريدك الإلكتروني.