أيّتها اللغة العربيّة ماذا عساي أقول في يومك العالمي، وقد نزل بحروفك العلويّة كلام الله فرقانا، وجرت على صفحات القراطيس بخطوط مزركشة آياته المسطورة أشكالاً رائعة وألوانا. فلكلّ حرف فيك عدد مستوحًى من الأبجدية، فكان لك ترتيبان، أحدهما يبدأ بكلمات أولها ألف أبجد الذي اتخذتِ منه اسمك أعني الأبجدية، وينتهي بضظغ في حساب الجمّل المتشكل بعد اكتمال رسمك، لحكمة أرادها ربّ البريّة.
لقد جمعت الحرو ف بصفاتها، والأعداد بأرقامها، فكنت مثالاً لربط الحروف بالأرقام، ومخارجها بأصوات الترتيل وسيمفونية الأنغام. فما أروعك وما أبهاك، وما أعظم من أنزل فيك آيات كتابه العزيز يا ملاكي.
أيّتها المعبّرة عن بنات الأفكار بكلمات تجري على أسل اللسان، والفائضة من رقيقة الروح، النابعة من منهل الوجدان، إنّ لك عندنا عيدًا لا ككل الأعياد لأنّك لغة التخاطب بين البشر، لا بالكلام فحسب بل بدقة النظر. فالحرف خط له صوت ومعنى، والكلمة روح لكل من نطق فيها ومبنى. وأجمل ما في اللغة العربية تواتر الحروف التي كتبت بالقلم، ولا عجب، لأنّ فوق كلّ ذي علم عليم، ونحن لا ندرك من هذه اللغة إلاّ المظهر، ويبقى الجوهر الذي لولاه لما عرف الإنسان ربّه ولذلك نختم بما أملاه سيدنا جبريل عليه السلام على سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عندما جاءه أوّل مرّة، وأراد أن يلقنه ما أنزله الله عليه، بقوله له: إقرأ. فأجابه صلّى الله عليه: لست بقارئ. فقال له: إقرأ ثلاث مرات، الى أن أنزل عليه أول آياتٍ في القرآن الكريم، بقوله تعالى:{ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)}
وهذه الآيات المباركة من سورة العلق تدل دلالة واضحة، أنّ اللغة ليست غاية بجدّ ذاتها، وإنما هي وسيلة لإدراك الغاية من وجودنا، وفي هذه السورة حكمة بالغة، فعلينا بقراءة الكتاب العزيز قراءة تلاوة صحيحة، فإذا فرغنا من إتقان التلاوة فعلينا بقراءته قراءة دراية، فبالقلم علم الله الإنسان، ما لم يكن يعلم من علم التوحيد والبيان، فله الحمد على ما أعطى، ولرسوله صلّى الله عليه الشكر على ما هدى.
بقلم: الشيخ د. وجدي الجردي.
رئيس جمعية الإشراق الخيرية مدير عام مدارسها.

