المتعلم بين التلقي والإبداع

المتعلم بين التلقي والإبداع

يحمل كل طالب في داخله، مهما بدا هادئًا، طاقة فطرية على التخيّل. وُلدت معه قبل أن يتعلّم القراءة، حين كان يرسم خطوطًا عشوائية ويسمّيها “بيتًا”، ويخترع حكايات لا تشبه شيئًا سوى عالمه الصغير، ويسأل أسئلة لا تنتهي عن كل ما يقع عليه بصره.

 هذه الطاقة لا تموت بذاتها، لكنها تحتاج إلى بيئة تتنفس معها، إلى مساحة تُدعى فيها للظهور بدل أن تُترك خاملة في انتظار من يستثيرها. وحين تُمنح هذه الطاقة فرصتها الحقيقية، فإنها لا تصنع طالبًا متفوقًا في الاختبارات فحسب، بل إنسانًا قادرًا على التفكير المستقل، وصياغة رأيه، وابتكار حلول لمشكلات لم يرها من قبل.

تحفيز هذه الطاقة لا يبدأ بخطة معقدة أو منهج جديد، بل بسؤال صغير يكاد يكون بديهيًا: “ماذا تظن أنت؟” سؤال بسيط، لكنه يفتح بابًا كاملًا.  فالعقل الذي اعتاد أن يستقبل الإجابات جاهزة يبقى عقلًا منتظِرًا، يكتفي بما يصله دون أن يُخضعه لتحليل أو نقد أو إضافة من عنده. أما العقل الذي تعوّد أن يُسأل، أن يُجرّب، أن يكتب رأيه ولو كان خاطئًا، فيتحوّل شيئًا فشيئًا إلى عقل فاعل، يصنع المعنى بدل أن ينتظره. والفرق بين الاثنين ليس فرقًا في الذكاء أبدًا، بل في نوع الفرص التي مُنحت لكل عقل ليعبّر عن نفسه.

ومن هنا تحضر فكرة بسيطة الشكل، عميقة الأثر: المجلة الإلكترونية المدرسية.  حين يكتب طالب مقالًا، أو قصة قصيرة، أو خاطرة، أو حتى قصيدة متعثرة الوزن، ويراها منشورة باسمه يقرأها زملاؤه ومعلموه وربما أمه أو أبوه، يتغيّر شيء في داخله. لم تعد الكتابة واجبًا يُسلَّم ثم يُنسى في درج، بل صارت عملًا له صاحب، وله صدى. وهذا الإحساس – أن أحدًا سيقرأ – كفيل وحده بأن يدفع طالبًا خجولًا إلى الكتابة من جديد، وطالبًا آخر إلى تجربة شيء لم يجرؤ عليه من قبل.

وهنا تكمن إعادة توظيف ذكية للأجهزة الذكية الذي يستعملها كل طالب تقريبًا في بيته ومدرسته.  فبدل أن يبقى وسيلة تمرير بلا تفكير، واستقبال دائم لمعلومات متناثرة لا تترك أثرًا، يمكن أن يصبح أداة إنتاج حقيقية. الطالب الذي يصمم غلاف عدد، أو يحرر مقالًا على هاتفه في طريق عودته من المدرسة، يستخدم الجهاز نفسه الذي كان يستهلك وقته، لكنه هذه المرة صانع لا متلقٍ. لا حاجة هنا لمعركة ضد الشاشة، بل فقط لتوجيهها قليلًا نحو وجهة أكثر نفعًا.

وحين يصبح الطالب فاعلًا في صناعة محتوى يخصه، تتغيّر علاقته بكل ما حوله. يكتسب ثقة أكبر بنفسه، ويتعلّم أن صوته يستحق أن يُسمع، ويكتشف أن التعلّم ليس بالضرورة جلوسًا صامتًا وانتظارًا لما يُقال له، بل يمكن أن يكون تجربة حيّة يصنعها بيديه وكلماته وأفكاره. وهذه التجربة، مهما بدت بسيطة في شكلها، هي بالضبط ما يحتاجه جيل كامل يعيش وسط طوفان من المعلومات الجاهزة، لا لكي يستقبل أكثر، بل لكي يتعلّم كيف يفكر، وكيف يعبّر، وكيف يصنع شيئًا من عنده يستحق أن يُقرأ.

هكذا يتعلّم الطلاب، دون أن يشعروا، كيف يوزَّعون المهام، وكيف يتقبّلون ملاحظة على نص كتبوه بحب، وكيف يحترمون رأيًا يخالف رأيهم. وهذه مهارات لا تُحفظ من كتاب، بل تُكتسب فقط حين يكون المرء جزءًا من شيء حقيقي يصنعه بيديه.

بقلم: الأستاذ الشيخ رامي حمص


اكتشف المزيد من سراج المعرفة

اشترك ليصلك أحدث المقالات والمواضيع إلى بريدك الإلكتروني.