الحُبُّ نِعمَةٌ مِن اللهِ , وقَبَسٌ مِن قَبَسَاتِ الإِشعاعِ في نُورِ الوُجُودِ…
والحَيَاةُ دُونَ حُبٍ لا مَعنَى لَهَا … فَالحُبُّ دُستورُ الإِنسَانِيَّةِ وشَريعَةِ الكَونِ الذِي خَلَقَهُ المَولَى عَزَّ وَجَلَّ في قُلُوبِ البَشَرِ لِيَكُونَ دَليلاً لِلهُدَى والسَّعَادَةِ الحَقَّةِ في رِحلةِ الحياةِ ولَولَبِ دَوَرَانِهَا. وتَمَاسُكِ النَّسِيجِ الاجتِمَاعِي عَلَى قَوَاعِدِهِ الأَخلاقِيَّة. والحُبُّ لَيسَ إفتِرَاضَاً أو حَالةً طَارِئَةً، بل هو قَدَرٌ مِنَ الله مزروع في جبلة النفس، كخصال الخير فيها منذ نشأتها الأولى، ويَا لَهُ مِن قَدَرٍ… ! فنَوَازِعُهُ وحَوَافِزُهُ ترَقرِقُ الأَحَاسِيسَ في الشَّرَايين، وتدفَعُ البشرَ إِلى الخيرِ والتَعَاطُفِ والرَّحمَةِ والتَّآلفِ. ويَجعَلُ مِنَ الإِنسَانِ إنسانا صالحا إيجابِياً مُتَآلِفَاً مُتَنَاغِماً مع خالقه وذاته ومحيطه.
الحُبُّ الحَقِيِقِيُ هو تلك العصا السِّحريَّةُ التي تَلمَسُ القُلوب بِأَنَامِلِ العَطفِ واللُطفِ والنخوة والمروءة والمآثر، فَتنبِضُ مَعاً نَبضاً واحِداً … إِنهُ الوِدُّ الذي يتدفق مِنهُ الحَنَانُ والرَّأفَةُ والأَمنُ والسَّلامُ ,والسُّكنَى بَينَ الأَنفُسِ والإطمِئنَان، إِنهُ الطِّينُ الذِي يَتَحَوَّلُ إِلى حِنَّاءٍ مِن الورودِ تُزَيِّنُ كُفُوفَ المُحِبِّين، وتُرَقرِقُ قُلوبَ المُشغَفِين بِنَغَمَاتِ الحَنِين وعمل الخير وأريحيّة الضمير. إنه الوطن الذي يحمِينَا مِن تَقَلُّبَاتِ الأَيام والسِّنِين! وهو الشَّافي، الْمُآسِي، المُبَلسِمِ، عِندَ المَرَضِ والأَلَمِ والأَنين.
إِذَنْ الحُبُّ هو رِبَاطُ سِلسِلَةِ الحَيَاةِ والوُجُودِ وأُوكسجين نَشأَتِهَا، وإكسير ديمومتها.
فلولا نوازع الحبّ لَمَا عَبَدْتَ اللهَ جلَّ جلاله، وأطعت أوامره وانتهيت عن نواهيه، وهذا أسمى مراتب الحب أي الحب الإلهيّ. ولَولا المحبَّة لَمَا حَنَّت عليك أمك وسهِرَت الليالي الصِّعاب، ولَولا مَحَبَّةَ الأَزوَاجِ بِعضهم لِبَعضٍ لَمَا صَمَدوا في اجتيازِ لُجَجِ هَيجَانِ بَحرِ مَآسِي الحَيَاةِ وشَظَفِ العَيش وشِدَّةِ غَلوَائِهِ، ولولاها لَمَا ضحَّيتَ بِدَمِك لِصِيَانَةِ وَطَنِكَ، ولَولا المَحَبَّةَ والطُّمُوحَ لَمَا عَمَّرتَ دُنيَاك، ولولا محبتك لعملك ما حققت فيه النجاح، وتَعدَادُ مَآثِرِ تلك المحبة لا تنتهي حيث لا تنتهي الكلمات.
وتَبقَى حِكاَيةُ الحُبِّ رهن الإختِبَارَاتِ الكَثِيرَة. وَكٌلُّ طَرَفٍ يُعبِّرُ عَن قَدَرِ محبته بالسُّلُوكِ محاولاً إِسعاد الطَّرَفِ الآخرِ وإِرضَائهِ بِشَتَّى الطُّرُق، فَالحُبُّ لَيسَ فَقَط الطَّريقَةُ التي تُحِبُّ بِهَا لِتُرضِي نَفسَكَ فقط، بل هو الطَّريقة التي ترضي الطَّرَفَ الآخَرَ كَي تَرَاهُ سَعيداً، وهو مِن أَسمَى أَنوَاعِ التَّضحِيَةِ والمُؤَاثَرَةِ التي تَتَحَلَّى بهِ النَّفسُ البَشَرِيَّةُ الطَّاهِرَةُ المِعطَاءة.
الحُبُّ يَتَجَلَّى في إنصِهَارِ الأَروَاحِ بَعيدَاً عَن الفَردِيَّةِ والأَنَانِيَة … فَالمُحِبُّ يُحِبُّ غَيرَهُ في ذَاتِهِ… و سَرُّ الحُبِّ وبَقَائِه، هو تِلكَ الشَّرَارَةُ المُتَقِدَةُ بَينَ المُحِبِّين في التآزر والتأخي، والحَمَاَسَةُ في رُؤيَةِ بَعضِهِمَا، واللهفَةُ في الالتقاء، والعَوَاطِفِ الطاهرة النقيّة التي تَهَوِّنُ مَصَاعِبَ الحَيَاةِ، والأَوقَاتِ الهانئة التي تَضُخُّ الدَّمَ في شَرَايِينِ الوُجُودِ، والشَّمعَةُ المُشتَعِلَةُ دَائِمَاً بالأَحَاسِيسِ الصادقة والمجردة من الغايات، فَالحُبُّ دَافِعٌ في نَفَحَاتِهِ طَاقَة سِحرٍ وقوّة وجدانٍ، تَصنَعُ المُعجزات، وتُذَلِلُ المُستحيل.
الحُبُّ يَرحَلُ حِين تقع النفس في عالم الأَنَانِيَّةِ… ومِن ثُمَّ تَبرُدُ العَوَاطِفُ، ويَتَصَدَّرُ الَملَلُ عنوَان الحياة، ويَنتَحرُ العُمرُ تَحتَ عَجَلاتِ الفُتُورِ والنُّفُور، وتُصَابُ القلوب بالخوف بعد أَن فَقَدَت الطُّمأنينة والأَمان. فَالحُبُّ مُشَارَكَةٌ وإهتِمَامٌ وصِدقٌ وإنتِمَاء، وعقلٌ وتدبيرٌ ووعيٌ وإِخلاصٌ وسخاء. فَأنتَ تُحِبُّ الآخَرَ كقِطعَةٍ منك لا يَنفَصِلُ عَنكَ أَبداً بِصِدقِ المشاعِرِ بِينَكُمَا، فَالحُبُّ لا يَأتِي بالتَّسَوُّلِ والإستِجدَاء، لأنه إمتِزَاجٌ بين رُوحَين بالأَخذِ والعَطَاء، والتَوافُقِ الفِكرِي والشُّعُورِ والإنتماء الروحيّ والوجداني، سعيا لما يرضي الله سبحانه.
كما قال الشَّاعر:
لا تَطلُبَنَّ مَحَبَّةٍ مِن جَاهِلٍ…. فَالمَرْءُ لا يُحِبُّ حَتَّى يَعلَمِ !
اللَّهُمَّ زَيِّن قُلُوبَنَا بِمَحَبَّتِكَ وصَونِكَ، واجعَلنَا مِمَن لا يَعرِفُونَ الحِقدَ والحَسَدَ والبغضاء وكلّ بَوَاعِثِ الكُره، واجعلنا من المُسامحين المُتَسامحين المُتَحَابين بك، آمِين.
بقلم: الشيخ نسيب يوسف عربي.

