النفاق الاجتماعيّ: ضرورة أم سقوط أخلاقي؟

النفاق الاجتماعيّ: ضرورة أم سقوط أخلاقي؟

حسن في كل عين ما تودُّ..!

الإنسان مولود على الفطرة، والفطرة وليدة نظام إلهي، على أتمّ ما يكون من التنظيم والترتيب. فأَوجد الموجِد سبحانه ضمن هذا النظام حركة ازدواج ٍ متضاددةٍ متناقضة، كمثل الخير والشَّرِّ، والصدق والكذبِ، والحقِّ والباطلِ، وما شاكل ذلك من لعبة الازدواجِ الكونيّة.

كثيرةٌ هي المواقف الّتي يمرُّ بها الإنسانُ ما بين فرحٍ وترح، وتمضي إلى سبيلها، غير أنَّ ما ينتج من تلك المواقف، يبقى عالقاً في الذِّهنِ والوجدان، وخصوصاً عندما تتكشَّف مواقف الأشخاص، ويظهر صدقهم من عدمه. وفي كثير من المواقف، يتكشَّف النفاق الاجتماعي الّذي بات لدى بعضِ الناس أداةً تُسيِّرُ الإنسانَ ومشاعرَه ومواقفَه بحسب الشخص المقابل لهم والمتعامَل معه.

ما من أحد  منا، إلا و له في معرض التَّعامل مع الأشخاص المحيطين به، احتكاك وتجربة من هذا القبيل. إنّ اعتماد الكثيرين على أسلوب النّفاق الاجتماعيّ، ليكون وسيلةً يصلون من خلالها إلى مبتغاهُم بطريقة غير مباشرة، ولكسب مواقف جاهيّة دنيويّة، إذا ما وضعْتَه في ميزان الحق والعقل والأخلاق، لا يساوي فتيلا ولا نقيرا، مقابل ما يبذلون من ماء الوجه والحياء، ومن التخرّص والتزلُّف والرياء لقاء ذلك.

إن النفاق الاجتماعي الذي بات صفةً للعديد من هؤلاءِ الناس، على أساس أنّه “مجاملة وذوق في التّعامل وإدارة فن الحديث”، إنما هو في المحصَّلة تعبير داخليٌ عن اضطراب نفسيّ في الشخص، يحوَّلهُ إلى إنسان غير واضح، وغير منسجم مع ذاته، لفقده أهم ركن إنساني، ألا وهو الصدق؛ مما يؤدي إلى عدم رغبة الناس بالتعامل معه على المدى البعيد، وقد يحمل هذه الصفة لسنوات عديدة. ومنهم من يتطبّع بهذا الطبع المسيء مدى عمره.

إنّ الشخص السوِّي  يجب أن يكون على قدر من الثّقة بما يقوله، وأن لا يغيّر رأيه كما يشتهي الآخرون، بل يجب أن يكون إنساناً ذا مبدأ وموقف ثابت، ولا ضَير في أن يكون دبلوماسيًّا في التّعامل مع البعض، ولكن من دون زيف وادعاء ما لا يراه؛ لأن من كان ذا وجهين مات دون وجه، ورجل دون مواقف، ساعة دون عقارب  .

أرى أنّ هناك فرقاً بين النفاق، والمجاملات في النّسيج الاجتماعيّ، فأنْ يعطي الشخص ملاحظاته لفعل إيجابيّ، فهو عمل مشروع، وينمُّ عن تقديرٍ للشَّخص الموجَّه إليه الكلام، ومشاركة في سعادته، لأنّه رأى فعلاً يستحقُّ الثناء والإطراء.

أما الآفَّة في المجاملة فهي في أن تتحوّل إلى شيء سلبي أو نفاق اجتماعيّ، حين تزداد بطريقة غير مبرَّرة ومبالغٍ فيها في طبيعة ردّةِ الفعل والتكرار، وخصوصاً إذا كان الشخص أو الفعل لا يستوجبان الإطراء والمديح والمجاملة، فيشعر المحيطون أنّ هذا الشخص مجاملٌ بطريقةٍ مُبالغ فيها، وله أهداف ومصلحة من الشَّخص الموجَّه إليه الإطراء، وخُصوصَاً في حال كان ذلك في موضوع يتكرَّر يومياً، والتدليس واضح فيه.

فالنّفاق مرض، وهو أن يعيش الإنسان في الحياة بشخصيّة مزدوجة، فشخصيَّته المعلنة تمثل خطاً، وشخصيَّته الخفيَّة تمثِّل خطّاً آخر. إنّه مرض عقلي ونفسي. والنفاق هو أن تقول ما لا تفعل، وتظهر عكس ما تخفي في قلبك، وأن تظهر الخير وتكتم الشر، وأن تذيع الحب والاحترام وتخفي الكُره والحسد، والمنافق هو الشخص الذي يتسم بهذه الصفات المقيتة، فقوله جميل و فعله الدَّاء الدَّخيل.. وما أقبح الإنسان باطنه عليلاً و ظاهره جميلاً!

بينما المؤمن يقول القليل ويفعل الكثير، لسانه وضّاح كنقاء الثلج، وباطنه طاهر ونقي. إذا تكلم فكلامه عِبر، وإذا صمت فصمته تفكُّر، صادق النية ومخلص الطويّة، يراقب الله في قوله وفعله، ولا يبتغي غير مرضاته، كما قال تعالى: “وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ“. فشتّان ما بين الحالتين وما أبعد بين الفريقين!

جعلنا الله واياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، سلام لكل من يقرأ ويتمعن…

بقلم: الشيخ نسيب يوسف عربي


اكتشف المزيد من سراج المعرفة

اشترك ليصلك أحدث المقالات والمواضيع إلى بريدك الإلكتروني.