برّ الوالدين

برّ الوالدين

في ظل التغييرات الكونيّة التي نشهد، بسبب التكنولوجيا التي أثرت تأثيرا بالغا في مجريات أخلاقنا وعاداتنا وقيمنا واجتماعيّاتنا، وقد أصبح المجتمع مفتّتا منطوياً على نفسه متقوقعاً. مما سلب المادة الإنسانية الروحيّة والعاطفيّة زخمها التأثيري في التفاعل البينيّ الذبذبيّ كلغة الجسد والتصافح ولغة الأعين وتقاسيم الوجه وحركة اليدين، وما إلى ذلك من مؤثرات خلقها الباري سبحانه، لتتمّ حكمته في التواصل بين خلقه بأتمّ الأسباب للوصول إلى الغاية المرجوة منها. فكان محصول حصيدة هذا التجافي والتباعد، التدابر وقسوة القلوب وجفاف القريحة وضحضاح التواصل والتراحم والتلاحم الأسري بين أفراد الأسرة الواحدة ومنها حصرا.

لم يعد برّ الوالدين المرتكز الأخلاقي الذي قامت عليه المجتمعات قديماً،  لأننا نشهد اليوم انحساراً مقلقاً لهذا المصطلح خلف بريق الفرديّة والماديّة الأنانيّة. فقد تسببت وتيرة الحياة المتسارعة وفجوة الأجيال الرقميّة في تحويل صلة الرحم من “واجب مقدّس” إلى “عبء اجتماعيّ” لدى البعض. ومع غياب ثقافة الصبر والتقدير والاحترام والاهتمام، بدأ هذا المفهوم يندثر ليحلّ محله الجفاء العاطفي تحت مسمى الاستقلاليّة والتفرّد. إن العودة إلى تطبيق عبادة برّ الوالدين ليست مجرد عودة للتقاليد، بل هي ضرورة لترميم إنسانيّتنا التي تآكلت في زمن الانشغال الدائم بدنيانا، وأمر إلهيّ واجب التنفيذ الفوريّ بالتلقائيّة البديهيّة السّلسَلة وبالسليقة الفطريّة الغريزيّة التكوينيّة، عملا بقول الله تعالى: “وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا” صدق الله العظيم.

إذن، نحن محاسبون ومطالبون بحفظ هذه الأمانة وردّ الجميل بالإخلاص والتقدير، لمن أولد وربّى وتعب وأضنى نفسه في سبيل أمل، عسى أن يكون له سندا في أرذل العمر، وبارا به وجابرا لخواطره ومصدرا لسعادته في ما تبقى له من حياة.

اللهم يسّر لنا هذا، واجعلنا ممّن يستطيع أن يقوم بهذا النحو والفرض الجليل، على أتمّ الواجب المفترض، وقضاء أجلّ الغرض.

بقلم: الشيخ نسيب يوسف عربي.


اكتشف المزيد من سراج المعرفة

اشترك ليصلك أحدث المقالات والمواضيع إلى بريدك الإلكتروني.