يستضيفني الجمالُ، فأدخلُ في لملمةِ خيوطِ الشمسِ الساكنة، وأغزلُ من ضوئها زهراتِ الحياةِ وورودَها. غيرَ أنَّ زهرتي ووردتي لم تُنجبهما الطبيعةُ بعد، لأنهما ليستا من نبضٍ مألوف، بل من نورٍ يقيمُ في أعمقِ أعماقِ الروحِ، حيثُ تتهامسُ نوايا القلبِ الطاهرةُ، وتتعانقُ أنفاسُ المحبَّةِ مع يقينِ الصفاءِ..
ومن ذلك النورِ يفوحُ أريجُ زهرةٍ لا تذبل، تُلاحقُ إشراقَ الحقيقةِ في الباطن، لتُسعدَ القلبَ وهو يرسمُ خريطةَ السلامِ الإنسانيِّ الداخلي؛ سلامًا يولدُ من الحبِّ المتجدِّد، ويشتدُّ في هدوءِ مقارعةِ الظلم، كما يعلو في صخبِ الصمتِ المتكلِّم، حين تنطقُ الأرواحُ بما تعجزُ عنه الكلمات..
وهل يغيبُ الهدفُ عمَّن أبصرَ بنورِ القلب؟ أم إنَّه يقيمُ في فيضِ رحمةِ اللهِ، ويتجلَّى في كلِّ مخلوقٍ جعلَ من نفسِه حديقةً للخير، وأبى أن يزرعَ زهورًا في الترابِ قبل أن يغرسَها في الأفئدة؟ فهناك وحدها تُزهرُ الورودُ التي لا تعرفُ الذبول، وتفوحُ أطيابُها بالمحبَّةِ والرحمةِ والتواضع، ويغدو الإنسانُ غصنًا من شجرةِ النور، تظلِّلُ القلوبَ بعطرِها، لا بأشواكِها.
إنَّ أجملَ الزهورِ ليست تلك التي تراها العيون، بل تلك التي تتفتَّحُ في حدائقِ النفسِ حين تُطهِّرُها التوبةُ، ويغسلُها الصدقُ، ويهذِّبُها الإخلاصُ، ويُسقيها الحبُّ الإلهيُّ. عندئذٍ يصبحُ القلبُ بستانًا لا يعرفُ الخريف، وتغدو الرحمةُ أزهارَه، والحكمةُ ثمارَه، والسكينةُ نسيمَه الدائم.
وهكذا نُدركُ أنَّ رحلةَ الوجودِ ليست عبورًا في الزمان، بل ارتقاءٌ في مراتبِ النور، وأنَّ المعرفةَ والثقافةَ ليستا تكديسًا للمعلومات، بل ازدهارًا للوعي، وانفتاحًا على جمالِ الخالقِ في خلقِه، وسعيًا دائمًا إلى أنسنةِ الإنسانِ بالحبِّ والعدلِ والرحمة..
وفي نهايةِ المطاف، لا يبقى من الإنسانِ إلا ما زرعَه في القلوبِ من ورودٍ لا تذبل، وما أطلقَه في الأرواحِ من نورٍ لا ينطفئ، وما تركَه من أثرٍ يقودُ النفوسَ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ؛ حيثُ الحبُّ الأبديُّ السرمديُّ، وحيثُ تتطهَّرُ الأرواحُ حتى تُصبحَ مرايا صافيةً تعكسُ الجمالَ الإلهيَّ، وتُسبِّحُ بحمدِ الخالقِ في كلِّ نبضةِ قلب، وكلِّ إشراقةِ فجر، وكلِّ زهرةٍ تُولدُ في بستانِ النفسِ قبل أن تُولدَ في الطبيعة.
بقلم: الأستاذ هيثم نبيه عربيد
مدير مكتبة الأمير شكيب أرسلان الدوليّة، المكتب الثقافي التربوي.

