في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتشابك فيه الأزمات السياسيّة والاقتصاديّة، وتزداد فيه الاضطرابات الاجتماعيّة، يعيش الإنسان حالة من القلق المستمر، وكأنّه يقف على أرضٍ غير ثابتة، يترقب ما قد تحمله اللحظة القادمة من مفاجآت. هذا الواقع المتقلب لا يطرح تحديات خارجيّة فحسب، بل يفرض سؤالًا داخليًا عميقًا: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على توازنه النفسي وسكينته وسط هذا الاضطراب؟ ولماذا ينهار بعض الناس أمام الأزمات، بينما ينجح آخرون في الثبات والهدوء رغم اشتدادها؟
لفهم هذا التباين، يمكن استحضار قصة معبّرة: كانت طائرة تحلّق في السماء، وفجأة تعرّضت لمطبات هوائية عنيفة، فاضطربت واهتزّت، ودبّ الخوف في قلوب الركاب. في خضم هذا المشهد، جلس رجل إلى جانب طفل صغير، وكان الفرق بينهما واضحًا؛ فالرجل تمسّك بمقعده وارتسم القلق على وجهه مع كل اهتزاز، بينما ظل الطفل هادئًا يلعب دون اضطراب. وبعد هبوط الطائرة بسلام، سأل الرجل الطفل عن سرّ هذا الهدوء، فأجابه ببساطة: لأن قائد الطائرة هو والدي، وقد وعدني أن نصل بسلام.
هذه القصة، على بساطتها، تكشف عن حقيقة عميقة: ليس الاضطراب الخارجي هو ما يحدد حالة الإنسان النفسيّة، بل المنهج الداخليّ الذي يتعامل به معه. فالحياة، في كثير من وجوهها، تشبه تلك الطائرة، والأزمات التي نمر بها تشبه المطبات المفاجئة التي تهزّ استقرارنا. غير أن الناس يختلفون في طريقة النظر إلى هذه الأحداث؛ فهناك من يكتفي برؤية الخطر في ظاهره، فيتضخم الخوف داخله، وهناك من يمتلك رؤية أوسع تجعله أكثر اتزانًا وأقل اضطرابًا.
إن هذا الفرق لا يعود إلى قوة الأعصاب أو ضعفها بقدر ما يعود إلى مستوى المعرفة واليقين. فالطفل في القصة لم يكن جاهلًا بما يحدث، بل كان يمتلك يقينًا جعله مطمئنًا. ومن هنا يتضح أن التوكل الحقيقي ليس حالة عاطفيّة عابرة، ولا مجرد ألفاظ تُردد، بل هو موقف ذاتيّ راسخ، يقوم على معرفة تولّد يقينًا، ويقين يثمر طمأنينة.
وهذه المعرفة لا تقتصر على الجانب النظري، بل هي حصيلة تفاعل مستمر بين التأمل والتجربة وتصحيح الفهم. فكلما ازداد الإنسان وعيًا بطبيعة الحياة وتقلباتها، وبحدود قدرته، وبسعة التدبير الإلهي، أصبح أكثر قدرة على استيعاب الأحداث دون أن ينهار أمامها. ومن هذا الوعي يتولد اليقين، الذي يشكّل الأساس الحقيقي للسكينة؛ إذ لا يهدأ الإنسان لأنه لا يرى الخطر، بل لأنه يرى ما هو أوسع منه.
وفي هذا السياق، يبرز الذكر والدعاء كوسيلتين عمليتين لبناء هذا التوازن الداخلي. فالذكر ليس مجرد ألفاظ تُتلى، بل هو توجيه مستمرة للفكر، تخرجه من دائرة القلق والتشتّت إلى دائرة الحضور والوعي. أما الدعاء، فهو تعبير عن افتقار واعٍ، يحرّر الإنسان من وهم الاكتفاء الذاتي، ويدفعه إلى إعادة ترتيب أولوياته والتصالح مع محدوديته. ومع الاستمرار في هذا المسار، يتحول الذكر والدعاء إلى مصدر للمعرفة الحيّة، التي تعمّق اليقين وتثبّت القلب.
وعندما يترسخ هذا البناء الداخلي، تتغير طريقة تعامل الإنسان مع الأزمات جذريًّا؛ فهو لا ينكر وجودها، ولا يتجاهل صعوبتها، لكنه لا يسمح لها أن تستولي على داخله. بل يصبح قادرًا على الجمع بين السعي العملي والتوازن النفسي، فيأخذ بالأسباب بما يستطيع، ويتجاوز ما لا يملكه دون أن يفقد استقراره.
وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة بقوله تعا لى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (سورة الطلاق، الآية 3)، في دلالة على أن التوكل يثمر كفاية داخليّة تجعل الإنسان في حالة اكتفاء وطمأنينة، مهما اشتدت الظروف من حوله.
إن الاستعانة والتوكل على الله سبحانه هما مفتاح التوفيق والكفاية للعبد في كل أمر يريده، وهذا الإيمان، يلخّص مسارًا متكاملًا في بناء النفس؛ فالاستعانة تمنح الإنسان قوة داخليّة تغنيه عن الشعور بالعجز، والتوكل يمنح القلب شعور الكفاية فلا يبقى أسيرًا للقلق. ومن خلال هذا التلازم، يتحقق نوع من الغنى النفسي الذي لا يرتبط بوفرة الوسائل، بل بعمق الارتباط بالمصدر الذي تُستمد منه الطمأنينة.
إن العبرة ليست في زوال الأزمات، فالعواصف جزء من طبيعة الحياة، لكنها في كيفيّة التعامل معها. فكما أن الطائرة لا تتوقف عن التحليق بسبب المطبات، كذلك الإنسان لا يتوقف عن السير بسبب الصعوبات، بل يتعلّم كيف يثبت وسطها. ومن هنا، يصبح التّوكل المبني على المعرفة واليقين ضرورة وجوديّة، لا ترفًا روحيًا، لأنه الطريق الذي ينقل الإنسان من القلق إلى السكينة، ومن الاضطراب إلى الاتزان، مهما اشتدت التقلبات من حوله.
بقلم: الأستاذ الشيخ يحيى عبد الخالق.

