في أزمنة المحن والصعوبات والحروب، يتكشّف الفارق بين الإيمان والتواكل. فالإيمان قوة تدفع الإنسان إلى حماية حياته، أما التواكل فهو غالبًا غطاءٌ نفسي للعجز أو الخوف من الاعتراف بالخطر. حين يقول بعض الناس: “نتوكل على الله، ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا” وهم باقون تحت التهديد، فإنهم يختزلون الدين في صيغة قدرية جامدة تُعطّل العقل بدل أن تُفعّله.
هذه القراءة ليست إيمانًا عميقًا بقدر ما هي سوء فهم لفكرة القضاء والقدر. فلو كانت النجاة أو الهلاك مجرد قدرٍ لا علاقة له بفعل الإنسان، لما كان للحيطة معنى، ولا للتخطيط قيمة، ولا للعلم وظيفة. لكن التاريخ الديني نفسه يناقض هذا الفهم؛ فالأنبياء – بحسب الروايات الدينية – لم يواجهوا الأخطار بالاستسلام، بل بالحذر والتدبير والهجرة أحيانًا. أي أنهم جمعوا بين الإيمان والعمل، لا بين الإيمان واللامبالاة.
إنّ تحويل القدر إلى ذريعة للبقاء في مناطق الخطر يعبّر عن عقلية أخذتها العاطفة وليس التعقّل. فالإنسان الذي يرفض الاحتماء أو النزوح حين يصبح القصف واقعًا يوميًا لا يمارس شجاعة، بل يسلّم حياته للمجهول باسم الدين. وهنا تتحول العقيدة إلى أداة لتسكين القلق بدل أن تكون قوة أخلاقية لحماية الحياة.
المفارقة أن هذا الخطاب نفسه يتجاهل قاعدة عقلية بسيطة:
لو كان الموت يأتي حتمًا دون اعتبار للأسباب، فلماذا نتداوى عند المرض؟ ولماذا نبني البيوت الصلبة أو نضع حزام الأمان في السيارات؟ إننا نفعل ذلك لأننا ندرك أن الأسباب جزء من سنن الحياة، وأن تجاهلها ليس إيمانًا بل تهور.
التوكل الحقيقي ليس إلغاء العقل، بل استخدامه. هو أن يفعل الإنسان ما يستطيع من احتياط، ثم يسلّم ما لا يستطيع لله. أما أن يُترك الإنسان تحت الأهوال وهو يردد عبارات القدر، فذلك يشبه من يقف في وسط الطريق أمام شاحنة مسرعة ثم يقول: إن كان مكتوبًا لي النجاة فسأنجو.
إن أخطر ما في هذا التفكير أنه يطبع الموت ويجعله أمرًا عاديًّا. فبدل أن يكون الحفاظ على الحياة واجبًا أخلاقيًا، يتحول الموت إلى قضاء محتوم لا يستحق المقاومة. وهكذا تُفرَّغ قيمة الحياة من معناها، ويُختزل الإنسان إلى كائن ينتظر مصيره بلا محاولة لتغييره.
الحروب لا تُواجه بالشعارات القدرية فقط، بل بالوعي والمسؤوليّة. حماية النفس ليست ضعفًا في الإيمان، بل احترامٌ لنعمة الحياة. فالله – كما يفترض الإيمان نفسه – لم يمنح الإنسان العقل عبثًا، بل ليحمي به نفسه ويصون وجوده.
لهذا فإن الخروج من الخطر ليس هروبًا من القدر، بل مواجهة له بالعقل. أما التواكل الذي يلغي الأسباب، فهو في الحقيقة شكلٌ من أشكال الاستسلام، لا الإيمان.
بقلم د. محمد حسين ترحيني.

