أَكتُبُ مَا أَشْعُرُ به؟ ومَا لَفَتَ انتِبَاهِي؟
مَعَاييرُ الكَونِ لا تَتَغَيَّرُ ولا تَتبَدَّلُ والقَاَنونُ الإِلَهِيُّ ثَابِتٌ ثُبوتَ الدَّهرِ . فَكَانَت المُعاَدَلَةُ القَائِمَةُ إِنَّ لا خَير مُطلَقٌ وَلا شَرٌ مُطلِقٌ، ولا كَمَالٌ لِشَيءٍ في الوُجُودِ إِلا لِوَاحِدٍ أَحَدٍ فَردٍ صَمَدٍ.
ولِكُلِّ شَيءٍ ضَرِيبَة وَثَمَن. فَالتَّقَدُم المُطَّرِد الذي أَحرَزَتهُ التِكنُولُوجيَا لا يَخلُو مِنَ السَّلبِيَاتِ والإِيجَابِيَاتِ وخَاصَّةً فِي مَا يَتَعَلَّقُ بِوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاِجتِمَاعِي وبرامجها، والتي مِنهَا عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ .(whatsApp, X, facebook…)ولاشَكَّ أِنهَا مِنَ الوَسَائِلِ التي قَلَّصَتِ المَسَافَةَ بَينَ أَفرَادِ المُجتَمِعِ وجَعَلَتهُ بِمَثَابَةِ قَريَةٍ صَغيرَة، وفي الوَقتِ نفسه، زَادَت مِنَ الهُوَّةِ بَينَ أَفرَادِ ذِلكَ المُجتَمَعِ، فشَسّعَت المَسَافَات؛ لأَنَّ التَّوَاصُلَ يَتمُّ عَبرَ حَلَقَةٍ ضَيِّقَةٍ ومَحدُودَةٍ لا شَكَّ أنَّ لَهَا تَأثيرًا عَلَى النَّفسِ البَشَرِيَّةِ وذَلِكَ بِفُقدَانِ التَّوَاصُلِ الحَقيقِي والوِجدَانِي الذي يتِمُّ عَن طَريقِ لُغَاتِ التَّخَاطُبِ الإِيمَائِي التَّعبِيرِي، أَي لُغَةِ الجَسَد، مِثلَ لُغَةِ تَخَاطُبِ العَينِ وتَعَابِيرِ الوَجهِ والمُصَافَحَةِ اليَدَويَّةِ والاِبتِسَامَةِ وتَبَادُلِ المَشَاعِرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يحُثُنَّا عَليهَا أُصولُ الحَيَاةِ الاِجتِمَاعِيَّة. وكَمَا أَنَّ لَهَا فَضلا دِيِنِيًّا ودُنيِويًّا، وقد دَلَّت عَلَى ذَلكَ التَّقَالِيدُ والعَادَاتُ في فَضلِ المُصَافَحَةِ والاِبتِسَامَةِ وبَسطِ الوَجهِ والأُنسِ بِمَن تُشَاهِده وتُخَاطِبه بِقِرَاءَةِ هَالَتِهِ وطَلَّتِهِ الكَارِزمِيَّةِ وتَأثِيرِهِ الفِيزيَائِي عَبرَ مَوجَاتِ التَّخَاطُبِ والتَّخَاطُر. والإِنسَانُ بِفِطرَتِهِ اجتِمَاعيٌ، ولَكن إِذَا حَصَرَ التَّواصُلَ الاِجتِمَاعِي عَلَى تِلكَ التِّقَنِيَّةِ فَحسب، فَسَوفَ تترُكُ في نِفسِهِ آثاراً نَفسِيَّةً يَتَطَبَّعُ بهَا لاحِقَا ويَدخُلُ في دَائِرَةِ العُزلَةِ فيَنعَزِلُ عَن مُحيطِهِ الاِجتِمَاعِي مِمَّا يُسَبِّبُ لَهُ الكَثيرَ مِنَ الأَمرَاضِ النَّفسِيَّة التي في طَليعَتِهَا الرِّهَاب الاِجتِمَاعِي والاكتئَِاب والقَلق والانِطِوَائيَّة وضعف الرَّوَابِطِ الأُسَرِيَّةِ في المُجتَمَعِ. وهَذا مَا بَدَأَت طَلائِعُهُ تُنذرنا بهِ. وَقَد تَجِد هؤلاء البَشَر دَائِمَاً مُعَرَّضين لِلفَشَلِ في إِقَامَةِ العَلاقَاتِ مَعَ الآخَرِينَ والإندِمَاجِ في المُجتَمَعِ وضعفِ المُحَاوَرَةِ وفَقدِ الشَّخصِيَّةِ الأَدَبِيَّةِ. أَمَّا مِنَ النَّاحِيَةِ العَاطِفِيَّةِ، فإِنَّ لِلعَلَاقَات المُبَاشِرَةِ وَجهَاً لِوَجهٍ تَأثِيراً اِيجَابِيّاً حَتَّى عَلَى الصَّعيدِ البِيُولوجِي والصِّحَّةِ النَّفسِيَة، فَجِسمُ الإِنسَانِ، حِينَ يَكونُ في عَلاقَةِ حُبٍّ وتَوَاصُلٍ عَاطِفِي مُبَاشَرٍ يَفرِزُ هُورمُونَاتٍ كِيميَائِيّة مُفِيدَة لِمَنَاعَة الإِنسَانِ مِنهَا الدُوباَمِينَ والاندرُوفِين والسِيرُوتُونين وغَيرهَا .
فَمِنَ المعرُوفِ أنَّ وَسَائِلَ التَّوَاصُل الاِجتِمَاعِي لا تُبنَى عَلَيهَا صَدَاقَاتٌ جدِّيَّةٌ وفِعليَّةٌ. و في أغلَبِ الأَحيَانِ، تَكُونُ الصَّدَاقَةُ وَهمِيَّةً بَينَ الطَّرَفَينِ؛ ومِنهُم مَن يَتَعَرَّضُ لِلخِدَاعِ ومِن ثمَّ الاِبتِزَاز. فَلو نَظَرنَا إِلى عَصرِنَا هَذَا لَوَجَدنَا أنَّ الجَرَائِمَ الاِلكترَونِيَّة في ازدِيَادٍ. وتُعدّ هَذِهِ التِّقَنِيَّةُ في الوقت عينه، مُفيدَةً جِدًّا في العَلاقَاتِ الاِجتِمَاعِيَّةِ إِذا اِستُخدِمَت من دُونِ إِفرَاطٍ فِيهَا وكَانَ فِيهَا نَوَايَا جَدِّيَّة صَادِقَة هَادِفَة ومُحَدَّدَة.
ومِنْ اِيجَابِيَاتِهَا أَنَّهَا تَجعَلكَ تَتَحَدَّثُ بِأَريَحِيَّةٍ وتَعبيرٍ عَمَّا يَدورُ في خَاطِرِكَ وإِبرَاز مَوَاهِبِكَ التَّعبِيريَّةِ مَع الآخَر، ولَكِن مِنَ الضَّرَورِي عَدَم جَعلِهَا الوَسيلَةَ الوَحيدَةَ للِتَّوَاصُل. فقَضَاءَ وَقتٍ سَعيدٍ مَع الأَهلِ والأَصدِقَاءِ ولَمّ الشَّملِ في رِحلَةٍ أَو سَهرَةٍ أَو لِقَاءٍ أدبي أَو تَرفِيهِي، وفي أَي تَجَمُّعٍ مَا، يَبقَى الغَايَةَ والوَسيلَةَ المُثلَى لإِعَادَةِ الأُمورِ إِلى نِصَابِهَا الطَّبِيعِي، ذَلِكَ أَنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ كَي يَعِيشَ مَع غَيرِهِ، وهُوَ مَطلَبٌ غَريزِيٌّ مَوجُودٌ في الجِبِلَّةِ الأُولَى لِلإِنسَانِ، وأِنَّ عُزلَتَهُ عَن النَّاسِ تُسَبِّبُ لَهُ أَمرَاضَا نَفسِيَّةً وصِحِيَّة. فَإِنَّ مُجتَمَعَنَا اليَومَ لا يَعيِشُ أَفرَادُهُ التَّوَاصُلَ الاِجتِمَاعِيّ الصَّحيح؛ لأَنهُ مَبتُورُ الأَركَانِ كَمَا قَدّمنَا سَابِقَا، فَوُجُودُ العَلاقَاتِ الاجتِمَاعِيَّةِ الصّحِيحَةِ الكَامِلَةِ بَينَ أَفرَادِ الأُسرَةِ يَعنِي وجُودَ المَحَبّةِ، والاحتِرَامِ والعَاطِفَةِ، والموَدَّةِ والصِّدقِ والإيثَارِ والتَّفَاعُلِ. المُعَادَلَةُ قَائِمَةٌ .. لا كَمَالَ في شَيءٍ. إِلا لِصَاحِبِ الكَمَالِ.
تَحِيَّاتِي لِمَن يَقرَأَ ويُحَلِّل ويَنظُر ويَعتَبِر…
بقلم: الشيخ نسيب يوسف عربي.

