مقولة سمعتها من امرأة عاشت عمرها بلا عدوّ يعكّر صفو حياتها. كنتُ أزورها في بيتها الذي لا يحضن سواها منذ تركها شريك العمر ورافق الموت.
سألتني، وقد رأتني حزينة في ذاك اليوم: ما هذا الحزن البادي على وجهك؟
تفاجأت إذ رأت ما لم يكن يراه أقرب الناس إليّ.
قلت: ما عدتُ أحتمل…. وأخبرتها قصّة كانت قد حدثت لي، جعلتني أغضب وأثور، ثمّ عقِبَها ندمٌ قاسٍ، فأنا لا أريد لنفسي أن أراني بهذه الصورة المشوّهة.
وما إن أتممتُ كلامي حتّى اختصرت ردّها بكلمتين” حطّي بالخرج”.
لم أفهم المقصود، لكنّ نوبة وعيٍ أخذت تصدع في رأسي وتردّد المقولة نفسها.
حطّ بالخرج، هي مقولة نشأت حين كان أحد المحسنين يطلب من الأغنياء وضع الحسنات في الخرج، ومن ثمّ يطلب من الفقراء أخذ حاجتهم منه.
والخرج هو جراب كان يوضع على ظهر الدابة. لكنّ الخرج الذي نضع فيه نحن، ليس من موادّ صنعتها يد إنسان، ولا الموضوع فيه مادّة تُلمسُ وتُحَسّ، إنما المقصود هو التغافل عن زلّات الناس ووضعها في ذاكرة النسيان، وطمسها لئلا تتفاعل مع الوقت كما تتفاعل المادّة مع الهواء فتغلي وتنفجر. والمقصود بالخرج هو التسامح من دون أحقاد، وهذا ما كان في زمن الفضيلة والمحبّة والتعاضد.
واليوم، ماذا حدث لذاك الخرج الواسع الذي حقن دماءً، وأطفأ غضبًا، وسكّن أوجاعًا؟
الخرج اتّسع حتى صار مكبًّا نرمي فيه هفواتنا نحن وأخطاءنا وزلّاتنا نحن، ولم يعد يتّسع لزلّات الناس وأخطائهم.
الخرج زاد عمقه، وقد بات مُثقَلًا بذنوبنا التي نقترفها في ضوء النهار، ونرميها في عتمة القلوب.
الخرج الذي كان للسلام، صار للاستسلام، الاستسلام لتقاعسنا عن الخير وفعله. ها نحن نرمي عنّا عبء الضمير غير مدركين أنّ الضمير وحده يثقُل كلّما اقتطعنا منه ذرّة، وأنه وحده الميزان الذي سنقف أمامه عاجزين يوم تخفّ الموازين أو تثقل. فمتى نعي أنّ لكلّ ذرّةٍ وزنًا وحسابًا؟ متى سنعود ونسمع حكمة العجائز ونضعها في قلوبنا وضمائرنا لا في خروج بالية تكاد لا تحفظ سرّ القماش؟
بقلم: المعلمة ليندا بو مجاهد دربيه.

