تكرّم أحدُ الأقرباء بإهداء أولادي كناريًّا أصفر حديث الولادة وفاءً لوعدهم لنا، عند زيارتنا لهم، وقد رأوا فرحة أطفالي ودهشتهم بالعصافير عند رؤيتها عن قرب. فنحن لم نقتنِ عصفورا في قفص لغاية تلك اللحظة.
يومها، بدأت ورشة الاهتمام بالكناري من وضع طعام وشراب، وتنظيف القفص، ثمّ مساعدته في الزقزقة، فأخذنا نسمعه صوت الكناري عبر اليوتيوب، وفي فترة قصيرة أصبح يغرّد بصوته الجميل، وكم من مرة استيقظت على أنغام تغريداته في الصباح الباكر!
وما هي إلا أيام، حتى بدأت العلاقة بينه وبين أولادي تتحسّن، إلا أنه لم يتأقلم مع محبتهم الكبيرة عند هجومهم على القفص للكلام معه ببراءتهم، فلم يكن يفهم هذا الاندفاع، فيحاول الهرب من شغبهم بالطيران داخل قفصه بشكل عشوائي، فكنت أشعر بثقل هذه اللحظات عنده وكأنها أيام. هذا عدا عن الضربات الطفيفة التي كان يتلقاها جراء اللعب داخل الغرفة، ولكنها وبحمد الله كانت دائما تأتي نتائجها سليمة.
إستمر حالنا وإياه هكذا عدة شهور حتى توطدت العلاقة بيننا. فإذا مر يوم لم يغرد فيه، كنا نظن أنه إنزعج منا بسبب تفريطنا بالصداقة، فنسارع إلى معالجة تلك الحالة وجبر خاطره لأننا أهملنا صداقتنا بغير قصد. فللصداقة مبادئها وعلينا إحترام تلك المبادئ.
أما في اليوم المشمس، فكانت شرفتنا المطلة على وادٍ أخضر وجبال فاتنة في انتظاره مع زواره من العصافير البرية. فكنا نضع لها القوت كي تستأنس بالقيلولة مع كنارنا، ويطيب لها المقام. وكانت أحاديثها تطول والزغردات الكثيرة تدل على أهمية ما يدور من نقاش. وفي كثير من الأحيان لا تنتهي هذه المنقاشات بل تستمر لليوم الثاني، وإذا لم نخرج كنارنا الى الشرفة كانت العصافير الزائرة تكمل أحاديثها من نافذة الغرفة. وكثيرا ما كنت أفكر في حديثها الذي لا ينتهي: ماذا تراها تقول لكناريّي؟ وما الحديث الذي يدور بينها؟ أتخبره عن الحرية والعيش خارج القفص؟ أم عن الشجرة وأغصانها؟ أم عن الحقول وأزهارها؟ لست أدري!!
وفي يوم من الأيام، وفي أثناء اهتمامي به، وإعداد الطعام له وترتيب بيته، نسيت قسما من باب القفص مفتوحا، وقد أردت له فسحةً مريحةً على شرفته كالعادة. وكم كانت المفاحأة كبيرة عند العصر! إذ لم أجد الكناري في قفصه بل خرج من دون علم وخبر، وذهب مع تلك العصافير التي كان لا يكل ولا يمل منها. ظننت أنه سيعود، فأنا أقدّم له الخدمة اللائقة والاهتمام اللازم، وكنت شبه متأكد أنه لن يبدلنا بغيرنا، ولكنه حتى الآن لم يعد….
جلست والقفص الذي كان ممتلئا بأصناف الطعام والفيتامينات التي تقوي بنية الكناري وتحميه من الأمراض، وخاليا من ساكنه، فسألته: أكان يخبرك بما يخطط له؟ هل أبلغك لما رحل؟ ولماذا تركنا؟ هل اخطأنا بحقه؟ انت تعلم أنني كنت أكرمه وأطعمه وأسقيه لا بل كنت أحسن الى أصدقائه كي يزوروه دائما. هل هذه العصافير البرية تعلمت الخيانة أيضا، وهي من أثرت على عقله ووعيه وأغرّته بالهروب؟ بالله عليك أن تخبرني لماذا رحل وتركنا؟
بعد إلحاحي الشديد على القفص أحسست أنه يجيبني بغصة، ودمعة حارقة: لا لم تسئ اليه ولم تقصر معه، بل كان يخبرني دائما عن كرمك ومحبتك، يقدّر ذلك كثيرا، وكان لا يرغب الباته في التفكير بأن إكرامك له جزاء صوته الجميل أو أنّك تعامله معاملة حسنة لمصالح متبادلة بينكما. فكلما جاءته تلك الأفكار كان يسعى بكلّ قوته لطردها من فكره حيث إن بعض الظن إثم. ومن ثمّ أردف، وسألني: هل كنت لتتخلى عنه لو بُحَّ صوته أو أصابه مرض، ولم يعد يزقزق كما تريد؟ أو هل ستتغير معاملتك له؟ فملت بوجهي إلى الأرض، وغيّرتُ مجرى النقاش، وسألته عن تلك العصافير البرية الخائنة.
أجابني بثقة، لا أخفي عليك سرا، إن تلك العصافير البرية التي وصفتها بالخائنة لم تحدّثه يوما عن الخيانة، بل كانت تخبره عن السماء والفضاء الشاسع وعن الأشجار وبركة المياه، والربيع والزهور وعن التراب والصخور وعن جمال البرية، وعن المعارك التي تخوضها دفاعا عن الحياة، وعمن استشهد في مواجهة الأفاعي أو برصاصة صياد، وعمن أُسر في فخاخ الدبق في المروج. أخبرته عن كل تلك الأفراح، وكل تلك المعاناة، وعن السعادة والألم والإبتسامة والدمعة، وعن الجهد والعمل الدؤوب في تأمين لقمة العيش المكللة بعرق الجبين ودم الحياة. شرحت له بإسهاب جمال بناء الأعشاش لصغارها، وقسوة الرياح في اقتلاعها. بإختصار يا صاحبي، أخبرته عن الحرية وجمالها وعن أثمانها الغالية وفواتيرها الباهظة. أؤكد لك أنها لم تعلمه الخيانة، بل نقلت اليه بأمانة، خلاصةَ تجربتها، بأن لكل قرار ثمنًا وتبعاتٍ، ولكلّ واقع ايجابيات وتحدّيا، والقرار يعود له.
فقلت للقفص: كيف تعلمت العصافير هذه الحكمة؟ أجاب: هذه ليست حكمة بالنسبة اليها، بل اخبرته بصدق واقع حالها. ولكنك لم تسألني ماذا كان كناريك يخبرها؟ أرأيت حتى إنك نسيت بهذه السرعة أن تسأل عن معاناته، بل سألت عن كلام غيره!
قلت له بخجل: أخبرني!
قال: كان كناريك يضيق ذرعا كلما تقول له تلك العصافير أخبرنا عن تجربتك – عن أي تجربة؟ وهل له من تجربة غير وجوده معي في القفص؟- لكنه كان يخبرهم عن حبه لك، وخوفه من أن تتأذى إذا هو رحل بعيدا عنك، وأنه يخبرك كل صباح بألمه ومعاناته، وكان يناديك من أعماق قلبه كي تساعده فتطلق سراحه، بينما كنت أنت تطرب بصوته وتظنه يغرد لك فرحا وهو يناجيك ألما ووجعا. لقد حاول بكل جهده أن يلفت انتباهك إلى حاله ولكنك لم تنتبه. ألم تلاحظ طيرانه الحثيث يمينا وشمالا ومن أعلى الى أسفل وبشكل هستيري عندما كنت تخرجه إلى الشرفة؟ كنت أنا أتألم من وقع قائمتيه، وقسوة رفرفته، وأنت أيها الإنسان كنت تفكر أنه يقفز بهجة وحبورا.
أقول لك إنه تكلم وشرح كثيرا لدرجة أنني كنت أحاول أن أفتح قضباني الحديدية ليخرج إلى فسيح الحرية.
قلت للقفص: إن الخبراء أخبروني أن العصفور المولود في القفص يموت إذا خرج منه، وقد كنت أخشى عليه وهو لم يتعلم فن المواجهة أو تحمل خشونة العيش.
قال لي: تلك هي أعراف البشر، أما عصافير البرية فلن تخذله ولن تتركه وحيدا يعاني وقد اختار الحرية، بل ستكون معه وقربه تحميه من الموت والقضبان.
بقلم: كامل العريضي/لبنان

