تبيّن لنا قصة النبي يونس عليه السلام العديد من القضايا التي تواجه الإنسان في حياته، وطرق التعامل معها. ولا عجب في ذلك فقصص الأنبياء سلام الله عليهم أجمعين، هي لتعليم الخلق كيفيّة عبادة الخالق تعالى في شتّى الظروف، ومتغّيَّر الأحوال، والاستفادة الدينيّة والروحيّة من كلّ حدث يحصل في حياتنا اليوميّة، كما أكدّ عزّ وجلّ في محكم كتابه الشريف: “لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ”.
يُروى عن المشهور من سيرة نبي الله يونس (ع)، أنه بعد أن آيس من استجابة قومه (أهل مدينة نينوى) لتوحيد الله سبحانه، وتركهم عبادة الأصنام، وهذا اليأس من توبتهم كان بعد حوالي 33 سنة من الدعوة حيث لم يستجب إلا نفرا قليلا جدا، خرج عنهم، غاضبا عليهم، وذهب إلى البحر، حيث التقمه الحوت. فتضرع إلى الله تعالى وهو في جوفه، “فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ“، فاستجاب له ربّه ونجّاه من الظلمات.
يمكن أن نستنتج من هذه القصة المباركة، أن لكل إنسان حوته، ولكل شخص ظلماته، فإذا لم يستعن بالله تعالى ويتوكل عليه، ويتوب إليه ويدعوه دعاء الغريق في الليالي والأسحار، قد لا يخرج من تلك الظلمات ويبقى مخلّدا في جوف حوته. وهذا الحوت يتخذ أشكالا متعددة ومتنوعة حيث يبتلع منا طاعتنا، ويقضم جميل صبرنا، ويحطم توكلنا، ويلهينا عن عباداتنا وطاعتنا.
فقد يكون حوتنا، مرض عضال قد نيأس من الشفاء منه، وقد يأتي على هيئة ولد عاق، أو يمكن أن يكون تقتير رزق، أو تحمّل جار سيىء، أو الصبر على عدم تحقق الأماني والأهداف، أو تعثّر سفر، أو انقطاع رزق من مهنة ما، أو عدم اطمئنان وقلق، أو أي أمر قد نظنّه مكدرا أو مرهقا. إزاء كلّ أو بعض هذه القضايا أمامنا خياران اثنان، الأول أن نبقى في متاهة وظلمة حوتنا الخاص بنا، ونزداد شقاوة وضياعا، والخيار الثاني هو العودة إلى الذات والضمير وإيقاظ نور الله تعالى فينا، ومواجهة هذا السواد بنور الطاعة والدعاء والاستغفار، ومعرفة أن كلّ ما نمرّ به هو لطف ورحمة من اللطيف الودود الرحيم. فالتقرب من الله ورسوله وأنبيائه وأوليائه هو الترياق لظلمة قلوبنا، والشمس لبصرنا وبصيرتنا، والاستكثار من العبادات والخيرات والأعمال الصالحة هو المعراج لنفوسنا، إلى سماء رضاه وغفرانه تعالى، عملا بقوله تعالى: “وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ”.
نسأله تعالى أن يعيننا على حوتنا وظلمته، ويقدرنا على النجاة منه، إلى بَرّ أمانه وأمنه، وشاطىء عفوه ومحبته، إنه وليّ الإجابة والتوفيق، والمسدّد إلى أصدق طريق.
بقلم: الشيخ كامل العريضي

