فجأة الموت وفوات الفرص

فجأة الموت وفوات الفرص

لقد أخفى تعالى أجَلَ الإنسان ليبقى على استعداد دائم لهذه النهاية الحقيقيّة، فمهما طال الليل لا بدّ من طلوع الفجر، ومهما طال العمر لا بدّ من نزول القبر، والموت حقيقة لا لُبس فيها، لا تؤجّله صحة، ولا يعجّله مرض، فبوابات الخروج من الحياة لا حصر لها. والأخطر في حياة الإنسان أن يغترّ بواقع النعم التي يعيش فيها، فيحب الشهوات ويمارس الانفلات من كل حدود السلامة غير ملتفت إلى فجأة التغيرات التي تنقل المرء من النقيض إلى النقيض. فكم من ضاحك في أول الليل ناحت عليه بواكيه في أواخره! وكم من مستقبل الصباح بفرح وهدوء لم يدرك المساء إلا وهو تحت التراب!

 في ذلك اليوم، كان الجو ملبدا، كأنّ شيئًا ما يوشك أن يحدث، وكان المساء ثقيلا. وعلى زاوية من زوايا الطريق وقفتُ أفكر في هموم تشغلني فانتبهت لصوت الإسعاف، يصرخ محركا سكون الناس في الشارع وكأنه ينعى أحدا قبل أن يصل إليه.

التفتُّ منتبها، فرأيت الناس يتراكضون كلهم في اتجاه واحد. دفعتني قدماي للحاق بهم من دون وعي، ركضتُ معهم حتى وصلنا إلى سيارة محطمة جراء حادث ناتج عن سرعة جنونيّة، زجاجها مبعثر وحديدها ملتف على نفسه كأنه مطويّ بيد غاضبة. ورأيتُ داخل السيارة شابا في عزّ شبابه غارقا بدمائه، ممزق الجسد، وساقه منفصلة عن جسده من عظم الاصطدام بحائط قوي البنيان؛ ومع ذلك ما زال حيّا واعيا يتشبث بالحياة كما يتمسّك الغريق بخشبة عائمة. حمله رجال الإنقاذ إلى سيارة الإسعاف بسرعة، ولمّا وضعوه على السرير رفع رأسه بصعوبة، وكان يبحث عن آخر بارقة أمل تربطه بالحياة. لا أريد أن أموت أخشى النار أخشى العذاب. حدّق بأخيه بنظرة لو رآها قلب حجر لانكسر وانفطر، تقدّم منه أخوه باكيا، ولكن ماذا يستطيع أن يفعل الآن؟ تابع صراخه: يا ربّ سامحني، يا الله لم أكن أصلي، يا الله أمهلني، أنا خائف … ليتني أُشلّ وأصبح مقعدا، أو طريح الفراش، ولكن لا أريد أن أموت قبل أن أعرفك يا إلهي، وقبل أن أجدد توبتي وأعمل صالحا وأستغفرك من ذنوبي، يا الله… كلمات كالسياط على الظهر، وكالحفر في الصخر، يعد الله في أحلك لحظات بعدما أوشك العمر على الانتهاء… والناس حوله صامتون، لا يستطيع أحد أن يهدئ من صراخه أو يخفّف من آلامه وانفعاله، أو يقول له أية كلمة، فالنجاة بيد الله… فجأة ازداد النريف حدة، ثم تلاشى الجسد، وخارت قواه، وتوقّف النزيف ليس لأن الجرح التأم، بل لأن الروح بدأت تستسلم إلى ربها، فقد ازرقّ وجهه، وانهارت قواه، واختفى  ذلك الصوت الذي كان قبل لحظات يرجو ويطلق الوعود والأمنيات، وخفتت كلمات أخيه التي كانت تلقّنه الشهادة، لكن الشاب لم يستطع، فقد ثقُل لسانه، وتصلب فكه، وتجمّدت عيناه، وبدا كأنه ينظر إلى شي بعيد وبعيد جدا، لم نره نحن. حاول التنفّس، شهق شهقته الأخيرة وفاضت روحه. في تلك اللحظة كأن الدنيا توقفت…غطى المسعف جسده، وكسر تلك اللحظات الرهيبة بالسكون، قائلا بصوت منكسر: لقد انتهى، عظّم الله أجوركم، عذرا لم نستطع فعل أي شيء، لقد كان النزيف حادا جدا.

عندها وقفت مأخوذا لما حصل ومصدوما بما جرى أمامي، ليس خوفا من الدم، ولا جزعا من الموت، فالموت حق وهذه سُنة الله في خلقه، بل إدارك للحقيقة التي نتعامى عنها، تعلّقا بسراب آمال عديدة لا نستفيق منها إلا ويكون العمر قد أشرف على النفاذ، فمتى نعي أن الدنيا تغرّ وتضرّ وتمرّ سريعا، قبل أن نخرج منها  صفر اليدين، فنستدرك هذا الخروج بالتوبة والأعمال الصالحة، ونزيّن سنواتنا بالعبادات والقرب من الرحمن الرحيم، وجبّار الأرض والسموات؟

فذاك الشاب كان قبل دقائق يستطيع أن يتوب إلى لله تعالى، وأن يغيّر مسار حياته، أما الآن فقد انتهى كل شيء، والعمر انقضى… وغدا سيُحاسب على ما جنى واقترف… ولله الغفور المرجع والمآل، حيث “يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ“.

خرجتُ من المكان، وصدى كلماته تترددّ في مسامعي بشكل عجيب، أقسم بالله سأصلي، سأتوب، لا أحب أن أموت الآن… لكن الموت لا ينتظر اعتذارًا، ولا يطرق أبوابنا ليسألنا. والسؤال العظيم،هل نحن مستعدون؟ هل نحن جاهزون لتلك الرحلة؟

اللهم أيقظ قلوبنا لطاعتك، وللإخلاص في عبادتك، ولا تجعلنا نعتبر في اللحظة الأخيرة، كقول فرعون: “حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِين”. رحماك يا الله …

بقلم: الأستاذ الشيخ نبيل رعد


اكتشف المزيد من سراج المعرفة

اشترك ليصلك أحدث المقالات والمواضيع إلى بريدك الإلكتروني.