في رحاب العارفين

في رحاب العارفين

الحمد لله الذي جعل للبصائر نورًا تهتدي به إلى حقائق الأشياء، وللقلوب سرًّا تدرك به ما وراء الظواهر والأسماء، فليس كلّ ما تراه الأبصار حقيقة، ولا كلّ ما تستحسنه النفوس جديرًا بالعناية، إذ كم من جوهرٍ توارى خلف ستار المظاهر، وكم من زيفٍ تمظهر بلباس الباطن، وما بين الظاهر والباطن مسافةٌ لا يقطعها إلا من أمعن النظر، وصفا له السرّ والضمير.

وبعدُ، فقد أصبحنا في زمنٍ تزداد فيه الغفلة إظهارًا، ويؤوب الإخلاص إلى النفس إدبارًا.

فضلًا عن أن بعض الفضائل قد كسدت، وأصبحت غالب النفوس لا ترى من الحقيقة إلا ما يوافق هواها، ولا تدرك من الحكمة إلا ما يطمئن إليه مألوفها، حتى غدا الإنسان، في بعض الأحيان، أسيرًا لما اعتاد أن يراه، لا لما ينبغي أن يبصره.

وعلى هذا الديدن، أضحت المشاجرة بالقلوب، والمتاجرة بالتدافن والعيوب، وأصبحت المنافسة فيما بيننا بالتندّر بمغالطات الآخرين والذنوب. وما أشدّ وأصعب على المرء من أن يستدرجه الوهم حتى يحسبه يقينًا، أو تألف الغفلة نفسه حتى يظنّها طمأنينة، فيغدو ما يحجبه عن الحقيقة هو ذاته ما يتوهّم أنّه يقوده إليها.

ولذلك، ترانا أشدّ ما نحتاج إليه في هذه الأيام أن نأخذ من مسالك الخيّرين وطرائق السابقين العارفين سبيلًا، ومن قبس أنوارهم خير دليل؛ وأن نتأمّل كيف آثروا، في بعض أحوالهم، الابتعاد عن مجاراة العالم الخارجي تنزّهًا، وحرموا أنفسهم من بعض مغرياته ومكاسبه تعفّفًا؛ لا ازدراءً للحياة، ولا رفضًا لمتاعها، بل صونًا لما استقرّ في نفوسهم من قيمٍ ومبادئ، وإدراكًا منهم أن كثرة ما يملكه الإنسان لا تدلّ بالضرورة على غناه، وأن الغنى الحقّ قد يكون فيما يستغني عنه المرء قبل ما يقتنيه.

لذلك يظنّ الغافل أنّهم، في هيئتهم تلك، قد أغلقوا باب الانفتاح، أو أنّهم في اختلائهم شاحوا عن العالم وما فيه من مكنوز؛ متجاهلًا أنّ الخلوة عندهم لم تكن انقطاعًا عن الحياة، بل عودةً إلى الذات، وأن الانشغال بها لم يكن فرارًا من العالم، بل محاولةً لفهم موضع الإنسان منه. لقد كانوا منشغلين بخلاص نفوسهم وتحصينها بقوى عقولهم، وبتهذيب ما اضطرب فيها قبل أن يواجهوا ما يضطرب حولها؛ إذ ليس كلّ ما يُكتنز يُبذل، ولا كلّ ما يُعرف يُفصح عنه، فلكلّ حقيقةٍ أوانها، ولكلّ كلمةٍ مقامها.

وما اختلاؤهم إلا مراجعةٌ لما استقرّ في أعماقهم، وتأمّلٌ فيما تراكم فيها من آثار، واستحضارٌ لما حصّلوه من جواهر المعاني، وما اكتسبوه من تجارب الحياة وأرباحها الروحية. فالنفس التي لا تعود إلى ذاتها، ولا تتأمّل ما خلّفته الأيام في أعماقها، قد تفقد مع الزمن قدرتها على التمييز بين ما يرفعها وما يستنزفها، وبين ما يزيدها بصيرةً وما يزيدها انشغالًا.

فالخلوة، في معناها الأعمق، ليست فراغًا من الناس، وإنما امتلاءٌ بالمعنى؛ وليست هروبًا من العالم، وإنما وقوفٌ على مسافةٍ منه تسمح للمرء أن يراه دون أن تبتلعه تفاصيله. ومن هنا كان العارف لا يقيس الغنى بكثرة ما في اليد، بل بما في القلب من سعة، ولا يقيس الانفتاح بكثرة المخالطة، بل بقدرة الروح على أن تخالط الأشياء دون أن تفقد نفسها بينها.

فلا تقطعوا، إخواني، الوصل مع العارفين، حتى وإن كانت كلماتهم شحيحة؛ فلربّما وجدتم في كلمةٍ منهم، خالصةٍ رقيقةٍ مختصرةٍ معبّرة، ما يحرّك في داخلكم من الكوامن ما عجزت عشرات المجلّدات عن تحريكه، ويقدح في وجدانكم نورًا كلّت مئات المحاضرات عن إيقاده. فكم من كلمةٍ صادقةٍ نفذت إلى أعماق النفس، فغيّرت فيها ما لم تستطع كثرة الكلام أن تغيّره؛ لأن الكلمة إذا خرجت من صفاء السريرة، وجدت إلى القلوب سبيلًا لا تعرفه العبارة المتكلّفة.

وليس سرّ أثر العارف في كثرة ما يقول، بل في مقدار ما يكونه وهو يقول. فقد تكون الكلمة قصيرة، لكن وراءها عمرٌ من التجربة، وقد يكون الصمت أبلغ من خطابٍ طويل؛ لأن بعض المعاني لا تُنقل بكثرة العبارة، وإنما تُستشعر بصدق الحال. وما يصل إلى القلب ليس دائمًا ما يطول شرحه، بل ما يوافق فيه صدق المتكلّم استعداد السامع، فتلتقي التجربة بالبصيرة، وتلتقي الكلمة بمحلّها. فمجالسة العارفين شعلةٌ تخرق غلظة الحجاب، وقوّةٌ دافعةٌ في طريق الصواب؛ إذ ليس المقصود من صحبتهم كثرة ما نسمع، بل ما يتركه سماعهم فينا من أثر، وما يوقظونه في أعماقنا من بصيرةٍ كانت تنتظر من ينير لها الطريق. فالصاحب الحقّ ليس من يملأ وقتك بالكلام، وإنما من يعيدك إلى نفسك أكثر صفاءً، وإلى حقيقتك أكثر صدقًا، وإلى الله أكثر افتقارًا.

ولعلّ أعمق ما نتعلّمه من العارفين أن الحقيقة لا تُنال دائمًا بكثرة النظر، بل بصدق البصيرة؛ وأن الإنسان قد يطوف طويلًا حول المعنى، ثم تفتح له كلمةٌ واحدةٌ بابًا كان يظنه جدارًا. فليست الحكمة أن نعرف كلّ شيء، وإنما أن نعرف ما الذي يستحق أن نعرفه، ومتى ينبغي أن نصمت، ومتى ينبغي أن نتكلّم، وما الذي ينبغي أن نحمله في القلب قبل أن نحمله على اللسان.

فسبحان من أوسعهم نعمةً من بحر عطاياه، وألهمهم من أسمائه سرّ معناه، وفتح لهم من أبواب البصيرة ما يعجز عنه مجرّد النظر، وهو وليّ الإجابة، وقابل الدعوات المستطابة.

بقلم: الأستاذ الشيخ رامي حمص.


اكتشف المزيد من سراج المعرفة

اشترك ليصلك أحدث المقالات والمواضيع إلى بريدك الإلكتروني.