إنها الخامسة فجراً، والظلام ما زال يلفّ الأفق بوشاحه الأزرق الباهت، حين نهض الشاب حمزة من فراشه الدافئ، وقد سكن في قلبه عزم لا يلين. أزاح اللحاف عن بدنه، واستقبل برودة الصباح بنَفسٍ مؤمنة مطمئنة، فتوضأ بماء باردٍ أيقظ في عروقه الحياة، ثم تلا صلاة الفجر فبثّت في نفسه الحياة، وخرج من منزله الصغير بخطواتٍ واثقة نحو حقله المتواضع، ذاك الركن من الأرض الذي بات له كالوطن الصغير، يودعه همومه ويستقبل منه خيرَ رزقه.
يا له من نشاطٍ عجيبٍ في هذا الوقت المبكر من النهار! ويا لها من بداية مشرقة ليومٍ جديدٍ مفعمٍ بالحيوية والبركة!
لقد بدت خيوط الفجر الأولى وكأنها تبتسم له، والنسيم العليل يمرّ على وجهه فيداعبه كأنه يبارك له سعيه. العصافير بدأت تغرد على أغصان الزيتون القريبة، تشهد لهذا الشاب المجتهد أن الرزق لا يُنال إلا بالسعي والكدّ والتوكل على الله.
إن النظر في حقل حمزة يعكس نفسه المثمرة وصبره الطويل، فمع أن الأرض صغيرة المساحة، إلا أنها تفيض خيراً كجنة خضراء تملأ المكان عطراً وألواناً، كأن الأرض نطقت لتقول: إنها أرضٌ أحبّها صاحبها، فبادَلَته العطاء حباً بالعطاء.
غرس حمزة أرضه دما حاميا بشوكته، وسقاها بعرق جبينه، وراح يتلو آيات الكتاب العزيز في أثناء عمله، فتخالُ أن روحه تتغذى كما تتغذى نباتاته من ندى الفجر. فأنّى لها ألا تُثمر ثماراً طيبةً صالحة!
ما أجمل أن ترى هذا التناسق بين نقاء الأرض وصفاء القلب! فثمرة الأرض الصالحة نباتٌ طيبٌ صالح وثمرة النفس الطائعة عملٌ مخلصٌ صادق. وكم هو عظيم أن ترى شاباً في مقتبل العمر قد جمع بين حب العمل وتقوى الله، فصار مثلاً في الجد والإخلاص، ومصدر فخرٍ لكل من يعرفه.
إن أرض حمزة الصغيرة، رغم ضيقها، تغنيك عن الحقول الواسعة بما فيها من بركة وخير.
لا شكّ في أنّ التزام حمزة وإصراره وإخلاصه تثبّتت أن قيمة الإنسان لا تُقاس بكثرة ما يملك، بل بما يضعه من إخلاصٍ في عمله وصدقٍ في نيّته. فما أغنى هذه الأرض مع صغر مساحتها! وما أشدّ إخلاص هذا الشاب الزاهر بالتفاني وحب الله مع صغر سنه!
بقلم: الأستاذ الشيخ جواد شهيب/ لبنان

