قوة الكلمة الليّنة: من هدي الرسالة إلى واقع الدعوة

قوة الكلمة الليّنة: من هدي الرسالة إلى واقع الدعوة

اذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى” .

من النقاط الأساسيّة التي تعالجها سورة “طه” قصة النبي موسى عليه السلام، حيث تناولت الآيات الكريمة من 9 حتى 98 قصة موسى بشيء من التفصيل، ومن هذه التفاصيل العلاقة مع فرعون، واللافت عند مخاطبة الله عزّ وجلّ نبيّيه موسى وهارون، قوله تعالى: “اذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى“. اللافت هو أنّ هاتين الآيتين المباركتين تبيّنان أن من أهم آداب الدعوة لله وإيضاح الطريق المستقيم، هي الكلمة الطيبة والمجادلة الحسنة، فالله سبحانه أمر نبيّيه موسى وهارون (ع) بمخاطبة فرعون الذي طغى وتكبّر وادّعى الألوهيّة في نفسه قائلا: “أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى“،  واشتُهر بظلمه وجبروته، بالقول الليّن لعله يتذكر أو يخشى. على الرغم من عتوّه وتعاليه وطغيانه، فكانت الوصية الإلهيّة المقدسة الكلام الليّن، والأسلوب الراقي. وهذه الوصية تتكامل مع وصيته تعالى لرسوله المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: “وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ“. إذن، يمكننا الاستنتاج أن الفظاظة والغلاظة والقسوة المفرطة ليست أدوات أو أساليب مرغوبة في دعوة الظالمين والغاصبين إلى الله والإيمان الصحيح لا بل هي مكروهة. وهذا من مصاديق قوله تعالى لرسوله الكريم أيضا:” ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”، وأيضا: “فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ“.

فإذا كان هذا حال الدعوة إلى الله بالرفق واللين مع فرعون وأمثاله من الطغاة المستكبرين، فما بالنا بأسلوب دعوة المؤمنين والناس الذين يتمتعون بمكارم الأخلاق والسيرة الحسنة؟

قيل أوحى الله تعالى إلى نبيه داود (ع): يا داود لو يعلم المُدبرون عني كيف انتظاري لهم ورفقي بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم، لماتوا شوقا إليّ، وتقطعت أوصالُهم من محبّتي. يا داود هذه إرادتي في المدبرين عني، فكيف إرادتي في المقبلين عليّ؟

فاللّين والرفق والمعاملة الحسنة هي من خصال  الإنسان الطائع لله ومن طبائعه، بل هو مجبول عليها دون تكلّف أو تصنّع. حيث جاء في الحديث الشريف َ:[إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، وَيُعْطِي على الرِّفق ما لا يُعطي عَلى العُنفِ، وَما لا يُعْطِي عَلى مَا سِوَاهُ] وجاء أيضا: [يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّروا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا].

اللهم يسّرنا لكل خير، واستعملنا لما تحبّ وترضى، واعفُ عنا، وأعنّا على القول الصحيح وأحسنه، والفعل الصحيح وأخلصه، وعلى أن تكون كلّ أعمالنا لوجهك الكريم.

بقلم: الشيخ كامل العريضي.


اكتشف المزيد من سراج المعرفة

اشترك ليصلك أحدث المقالات والمواضيع إلى بريدك الإلكتروني.