الحمد لله ربِّ الإنسان، الذي خلقه في أحسن تقويم، وجعله في الأرض خليفةً، الآمر بالخير والمعروف، والناهي عن الفحشاء والمنكر. وصلى الله على نبيِّنا المصطفى محمدٍ الأمين، المبعوث رحمة للعالمين، والمرسَل من ذي العزة ليتمّم مكارم الأخلاق، وينشر العدل والوئام في الآفاق، وعلى آله وصحبه الذين أناروا بضياء الهداية سبل الإيمان، ودعوا بلطفٍ ومحبةٍ إلى توحيدِ الواحد المنّان.
أيّها المؤمنون،
إنّ الصلح بين المتخاصمين أو المتقاتلين من أعظم ما حثّ عليه الإسلام، والأديان السماويّة، وشرائع حقوق الإنسان، لما فيه من حفظ للأنفس، وصيانة للأعراض، ولمٍّ للشمل، وتقويةٍ للروابط بين أبناء الأمّة الواحدة. قال الله تعالى: “وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا”، فهذا تأكيد من الرحمن الرحيم على ضرورة الصلح بين المؤمنين، لا تزكية الخلاف، ولا تعبئة النفوس لتعظيم الاقتتال، ولا العمل على بثِّ الفتن، وإثارة النعرات، وتقوية الغرائز، واستعمال وسائل التواصل الاجتماعي لقطع كل تواصل، وهدم المجتمع، وتقويض أسس العدالة والتلاقي والتعاون.
وقال عزّ وجل: “فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ”. فأين أهل التقوى؟ وأين أهل العلم والمعرفة؟ وأين أصوات أهل الحوار بين الأديان والمذاهب؟ أين يذهب كل هؤلاء عند الحاجة إليهم؟ وأين تختفي مواعظهم ومنابرهم وكلماتهم عند اشتداد وطيس القتال؟
الحاجة إليكم اليوم، بل نحن بأمسّ الحاجة لأصواتكم ومواقفكم الداعية للوئام، والتواصل بالكلمة الطيّبة والموعظة الحسنة. فإذا لم تعلُ أصواتكم بالحقّ في وقت الشدّة، فلا حاجة لنا بها يوم انتهاء الاقتتال والسلام. كما قال عزّ وجلّ:”لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ”.
وورد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:
“ألا أُخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟” قالوا: بلى يا رسول الله. قال: “إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة”.
ويتّضح لنا من خلال هذا الحديث الشريف أن الإصلاح بين العباد من أعظم الأعمال العباديّة تقرّبًا إلى الله تعالى، لأنّ الفساد بينهم يحلق الدين كما يُحلق شعر الرأس.
أيها الناس،
إنّ أمتنا العربيّة والإسلاميّة تتعرض، ومنذ أكثر من قرن، لأبشع أنواع المؤامرات لتمزيق أوصالها، وتفتيتها شِيَعًا وقبائل وعشائر ومذاهب، ولتغذية روح الانفصال تحت مسمّيات عِرقيّة، ومذهبيّة، ومناطقيّة، ودينيّة، ممّا يُسهِّل نهب خيراتها وثرواتها، ويجعل هذه الأمة ذليلةً خائبةً تستقوي بالمستعمر والمحتلّ على قتال بعضها بعضًا. وكلُّ ما جرى ويجري في منطقتنا هو خدمة لهذا الكيان الزائل، ولو بعد حين.
فحذارِ أن نكون وقودًا، بقصدٍ أو بغير قصد، لهذا المشروع، أو لما يُسمّى بـ”إسرائيل الكبرى”، الآخذ بالتوسّع بشكلٍ لافتٍ وسريع.
ولا سبيل لإيقاف هذا التوسّع إلّا بوحدتنا، وإيماننا بأنّ فلسطين حقٌّ لشعبها، فتركُ غزّة تموت جوعًا وحرقًا وقتلًا ودمارًا، هو تجويعٌ وقتلٌ ودمارٌ لكلّ هذه الأمة العربيّة بأشكال مختلفة وأساليب متنوّعة، وأهمّها موت الكرامة، فإذا ماتت كرامة الأمة واغتيل شرفها، فعلى الأمّة السلام.
أيها الشرفاء،
السبيل الوحيد لتغيير الواقع هو الحوار الصادق بين مكوِّنات هذه الأمة، والعمل على استنهاض الهمم بإخلاص، عبر نشر ثقافة الوعي الحقيقيّ، ونبذ التكفير فيما بيننا، واحتضان التنوّع البنّاء؛ فالأمة بحاجةٍ إلى كلّ عقولها وطاقاتها لتنهض من جديد.
لن نفقد الأمل، فالإسلام دين السلام، ولن نسمح لمن يسعى جاهدًا في غرفه السوداء وفكره المدمّر، ولمن غُرّر بهم من قبلهم، بتشويه إسلامنا الحنيف، عملًا بقولِه تعالى: “ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”.
وقال نبينا الأكرم، عليه الصلاة وأتمّ التسليم: “إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدُهما”، والمقصود بـ”باء بها” أي رجعت إليه، لأنه كفّر أخاه بغير علمٍ ولا بيّنة.
حمى الله أمتنا العربية، ونسألُه تعالى أن يبثَّ فيها الوعي الكبير، والفكر المتيقّظ، والعقل المستنير، كي لا تكون وقودًا لنار لعبة الأمم وتقسيم المغانم بين الدول المستكبرة، كما حدث عند نهاية الحرب العالمية الأولى، كي لا يعيد التاريخ نفسَه، ولا يُكرّر جهلُنا ذاتَه، فنُستعبدَ لقرنٍ جديد.
بقلم: كامل العريضي
.نُشر بتاريخ 29/يوليو/2025 بموقع الوكالة العربية الافريقية

