في زمنٍ أصبحت فيه وسائل التواصل ساحةً مفتوحةً للطعن والتشهير والتهجّم على المرجعيات الدينيّة والعلميّة، يظنّ بعض الناس أنّ مجرّد قراءة هذه المنشورات أو تداولها بدافع «معرفة ما يجري» أمرٌ لا أثر له ما دام القلب غير موافقٍ على مضمونها. غير أنّ أهل التربية والسلوك حذّروا من خطورة الإصغاء إلى الباطل أو المشاركة في نشره، ولو بحسن نيّة. فقد نُقل عن الشيخ الصوفي العارف عليّ الخوّاص (939هـ/1532م) قوله: “إيّاك أن تُصغي لقول منكر على أحدٍ من طائفة العلماء أو الفقراء، فتسقط من عين الله ورعايته، وتستوجب المقت من الله عزّ وجلّ”.
وهذا المعنى يلتقي مع التحذير القرآني من البهتان والخوض في أعراض الناس، إذ يقول الله تعالى في سورة النور: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَٰذَا ۖ سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 16]. فالآية لا تكتفي بالنهي عن اختلاق البهتان، بل تُعلّم المؤمن موقفه منذ لحظة السماع، بأن يرفض تداول الكلام الباطل وألّا يسمح له أن يجد طريقه إلى لسانه أو قلبه.
ثم يشتدّ التحذير في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 19]. ومعنى ذلك أنّ مجرّد المساهمة في نشر الأخبار المسيئة، أو إعادة تداولها، أو التلذّذ بانتشارها، يدخل في دائرة الخطر الأخلاقي والروحي؛ لأنّ إشاعة الاتهامات والطعون تُفسد القلوب، وتُضعف الثقة، وتهدم حرمة أهل الفضل والعلم.
وقد أشار عليّ الخوّاص إلى أثر الكلمة في النفس حين قال: «النفس إذا مُدِحت اتسخت، وإذا ذُمّت نظفت»، في إشارةٍ إلى سرعة تأثّر النفس بما تسمع وتتداول. فإذا كانت النفس تتأثر بالمدح والذم في أحوالها العادية، فكيف إذا اعتادت سماع الطعن والتجريح والبهتان؟ عندها يبهت نور القلب شيئًا فشيئًا، ويصبح الإنسان آلفًا للمنكر بعد أن كان يستنكره.
ومن هنا، فإنّ الحكمة والإيمان يقتضيان أن يكون الإنسان حارسًا لسمعه ولسانه، لا وسيلةً لنقل الفتن وترويج البهتان، وأن يدرك أنّ بعض الكلمات، وإن قيلت بدافع الفضول أو «متابعة ما يجري»، قد تترك في النفس أثرًا خطيرًا، وتُدخل صاحبها في مشاركةٍ غير مباشرةٍ في نشر الظلم والإساءة.
بقلم: الأستاذ الشيخ يحيى عبد الخالق.

