قال أيليا ابو ماضي معترفا بضياعه رغم وضوح الأمور:
جئتُ لا أعلم من أين ولكني أتيتُ ولقد أبصرتُ قدامي طريقا فمشيتُ
كيف جئتُ كيف أبصرتُ طريقي لستُ ادري
كثيرون هم على شاكلة أبي ماضي يتساءلون عن الخلق والغاية من الوجود، وكثر أضاعوا الطريق واتبعوا الشهوات. ولم يعلموا أن الحياة نعمة إن أحييناها إيمانا خالصا وعملا صالحا، ونقمة إن عشناها لهوا ولعبا وتنابزا بالألقاب وفخرا بالمال والبنين. إن الحياة في حقيقتها هبة الله ومنّة منه تعالى، التي لا يوفيها العبد حقها وإن أخلص في الشكر وبالغ في العبادة. فالحياة امتحان في مادتين متلازمتين لا تتفصلان عن بعضهما البعض، ويجب أن يكون النجاح فيهما كاملا. ومن غريب هذا الامتحان أن المعلم وضع الأسئلة وأعطاها للتلاميذ، وقال لهم: هذه أسئلة الامتحان، و العجب العجاب قد رسب فيها الكثير. قال لهم: سبعة اسئلة لا غير ستأتيكم ولن تتغير فاستعدوا لها من الآن. وقسم الامتحان إلى فترتين ٣ أسئلة في الفترة الأولى، و 4 أسئلة في الفترة الثانية، لكن الغريب رغم وضوحها انقسام الطلاب حولها إلى 3 أقسام: فمنهم من كذّب المعلم ولم يصدّقه وكأنه لم يسمع شيئا، وقسم ثانٍ حفظ واجتهد ودرس وعمل، فنجح في الفترة الأولى وينتظر الفترة الثانية مطمئنا. والقسم الثالث قال: باقٍ وقت طويل، نتذاكر فيه لاحقا. فسوّفوا حتى جاءهم الامتحان فجأة وهم غير مستعدين، فرسبوا كما قيل: “هلك المسوّفون”.
هل عرفت مَنْ هو المعلم؟ هو الهادي الأمين الرسول المصطفى الكريم المبلغ عن الله سبحانه، وهو الذي كشف لنا الامتحان وأسئلته حتى نستعدّ لها من الآن. فالامتحان الأول في نهاية الحياة، أي عند الموت، لأن للحياة هدف ولها سبيل ودليل، كما أن الامتحان في آخر السنة الدراسيّة. وأسئلة نهاية الحياة التي عشناها هي: مَنْ ربك؟ ومَنْ نبيك؟ وما دينك؟ أسئلة تبدو سهلة على ألسِنة، ولكنها تحتاج كل جيلنا للإجابة عليها، فالجواب المطلوب هو بلسان الإيمان والعمل والحال، وليس فقط بلسان القال. فعند الاحتضار لن يقدر على تلك الإجابة الإ مَنْ ثبّته الله، وأعانه، وسدّده.
أما الامتحان الثاني فيوم القيامة، جاء في الحديث الشريف: “لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ”، وفي كل سؤال منها بحر من المحاسبة!
أيها الإنسان، عمرك رأسمالك الحقيقي، هل بعته للهوى والفراغ؟ وشبابك زهرة حياتك، هل ذبُلت في المعاصي؟ أم أزهر وأثمر في طاعة الرحمن وعمل البر والإحسان؟
ومالك، شاهد على قلبك ودليل على سلوكك. من أين جاء؟ من حلّ أم من حرام؟ وفيمَ أنفقته في طاعة الله تعالى أم في معصيته؟ هل كنت مسرفا في صرفه؟ فالله عرّفنا في محكم كتابه الشريف: “إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ”. أم بخيلا في جمعه وحرمته عن مستحقه؟ فالله عزّ وجلّ حذّرنا من ذلك بقوله: “وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ”. أعدلتَ أم أحسنتَ أم طففتَ؟ وقد نبّهنا جلّ جلاله من هذه المعصية الكبيرة بقوله: “وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ”، فالمال شاهد على قلبك ونواياك في العطاء والأخذ، والله عليم بذات الصدور.
أما علمك، فذلك النور الذي أودعكاه الله سبحانه في قلبك. هل أنرتَ به طريقك وطريق غيرك أم أطفأته؟ هل ماريت به السفهاء؟ هل تكبرت به على الناس؟ هل كان علم شيطانيّ يقتل الناس ويهدد الشعوب، كالقنابل الذرية وغيرها من آلات القتل والتدمير؟ فكل علم لا يعمل به صاحبه لوجه الله ورسوله فهو وبال عليه.
فامتحان الدنيا يمكن تعويضه، فاذا نسيت الإجابة قد يعطيك المراقب فرصة أخرى، أما امتحان الآخرة فلا تعويض فيه، ولا فرص جديدة، “قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا”.
أيها الأحبّة،
أسئلة الآخرة مكشوفة وواضحة، لكن النجاح فيها يحتاج إلى عمل يومي، جادّ وخالص لوجه الله تعالى، مرتكز على إيمان واثق لا تغيّره الجواهر اللاّمعة ولا السياط اللاّذعة. هلموا بنا إلى دراستة ومراجعتة فموعده قد اقترب… اللهمّ ثبّت قلوبنا على طاعتك في الدنيا، ووفقنا إلى حسن الإجابة يوم السؤال الأعظم والعرض الأكبر في الآخرة.
بقلم: الشيخ الأستاذ نبيل رعد.

