منذ قديم الزمن ابتلى الله الخلق بالعديد من البلايا والمحن، ليختبرَ صبرهم ويمتحنَ بالرضى والتسليم منزلتهم ويُتمَّ بالعدل نظام الكون تصفيةً لسوء أعمالهم، فلا يُظلم مخلوق ولا يبقى له حجةٌ على خالقه يتساءل بها عما أوجبه له القدر. فمن صبر على القضاء أُجِر، ومن جزع أُثِم، فإذا علم العبد أن أمر الباري لا مرد منه ولا دافع له صبر على حكمه ورضي بقضاه وسلم مقاليد أموره إليه فكان عند الله محمودا.
وقد أرسل الله سبحانه وتعالى الأنبياء المكرمين ليكونوا قدوة للخلق أجمعين وليرسموا دستورا يستدل به بعدهم أقوامهم التابعين. فكانوا خير معلمين ومرشدين، بالصبر والاحتمال أجابوا الخلق ودعَوهم، وبالرضى والتسليم أمروهم، فمنهم من اهتدى ومنهم من صد عن السبيل، والله الحاكم بينهم يوم الدين. كيف لا وفي رحلة الحياة، لا يسلم إنسانٌ من تقلبات الدهر، ولا يخلو قلبٌ من محنٍ تُبتلى بها النفوس، ليُختَبر صدقها وثباتها. فمن الناس من يجزع إذا نزل به البلاء، ومنهم من يرضى ويسلّم، مؤمنًا أن وراءَ كلِ قدرٍ حكمةً، وخلفَ كلِ محنةٍ منحةً. وهنا يتجلّى جمال الصبر والرضى والتسليم لله تعالى، فهي مقاماتٌ ثلاث تجمع في طيّاتها فرائض الإسلام ومنازل الإيمان وكمال التوحيد والإحسان، وصدق التوكل على الخالق المنان.
أولًا: الصبر مفتاح الفرج
الصبر هو حبس النفس عن السخط، وثباتها على طاعة الله، وترك معصيته، والرضى بقضائه. قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوفِ وَالجُوعِ وَنَقصٍ مِّنَ الأَموَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة البقرة: 155). والصابرون هم الذين أَمِنوا من الخوف بعد إقامة فروض الدين، وأسكتوا الجوع بعد الغذاء بعلوم الأنبياء الهادين، وأغنوا نفوسهم من الفقر بعد تعلق قلوبهم بكتاب الله المبين، فأتتهم البشرى من عند ربهم لقوله سبحانه “وبشر الصابرين”. فالله عز وجل لم يَعِد المؤمنين بحياةٍ خاليةٍ من البلاء، لكنه وعدهم بأن يكون معهم في جميع أحوالهم، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 153) وقال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (الحديد: 4).
ومن تأمل قصص الأنبياء، وجد أن الصبر كان زادهم في طريق الدعوة، ونورهم في ظلمات الشدائد. فهذا نبي الله أيوب عليه السلام، ابتُلي في جسده وماله وأهله، فلم يجزع ولم يتسخّط، بل لجأ إلى قرع باب مولاه بالدعاء قائلًا: ﴿رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (الأنبياء: 83)، فأتاه الجواب من ربٍّ رحيمٍ كريم: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ﴾ (الأنبياء: 84)، فالصبر إذًا هو قوة الإيمان حين تشتدّ المحن، وهدوء القلب حين تضطرب الحياة. وإن العبد يرى في الشدائد بابًا إلى القرب من مولاه، فيصبر ويحتمل، ويردّد قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: 156).
ثانيًا: الرضا مقام السكينة والطمأنينة
إذا كان الصبر تحمّلًا للبلاء وابتعادا عن المعصية وتمسكا بالطاعة، فإن الرضى هو ارتقاء فوق ذلك، هو طمأنينة القلب بعد الصبر لما قدّره الله تعالى بعد عدل التخيير، وحبٌّ خالصٌ لمشيئته تعالى ولو خالفت رغبة النفس، فيبتسم الإنسان ويقول من أعماق قلبه: “اللهم لك الحمد على كل حال”. وقد أثنى الله على عباده الراضين عنه فقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ (المائدة: 119).
وقال بعض الصوفيين في تعريفهم لمقام الرضا:
“الرضا استقبال الأحكام بالفرح” (رويم).
“الرضا: سكون القلب تحت مجاري الأحكام” (المحاسبي).
“الرضا: سرور القلب بمر القضاء” (النوري).
إن الرضا يملأ القلب نورًا، ويمنح صاحبه سعادة لا يذوقها إلا من عرف ربّه حق المعرفة. فهو يعلّم الإنسان كيف يرى النعمة في النقمة، وكيف يسمع في صوت البلاء نداء الرحمة. فكم من محنةٍ كانت طريقًا إلى عفو الله، وكم من وجعٍ كان سببًا لقربٍ عظيم.
ثالثًا: التسليم لله غاية الإيمان
أما التسليم، فهو المقام الأعلى الذي يجمع الصبر والرضى في آنٍ واحد. هو أن يُسلم العبد أمره لله في شؤونه كلّها دون اعتراضٍ أو شكوى، حيث يكون كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء لا يكون له حركة ولا تدبير، مؤمنًا أن ربّه أرحم به من نفسه وأعلم بمصالحه. قال تعالى في آية تُعبّر عن كمال التسليم: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ۚ هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: 51).
فنهاية العلم بلوغ الرضا وغاية التعليم الوصول إلى التسليم، لأن العبد حين يسلّم أمره إلى خالقه، يتحرّر من القلق، ويأنس باليقين، ويعيش حياةً ملؤها السلام الداخلي. فبشرى لعباد الله المسلمين المؤمنين الموحدين.
خاتمة: ثمرة هذه المقامات
من جمع بين الصبر والرضى والتسليم، فقد حاز مفاتيح السعادة في الدنيا والآخرة. يعيش في طمأنينةٍ دائمة، لا تزعزعها الأحداث، ولا تُقلقه الأقدار، لأنه يعلم أن أمره كلّه بيد الله، وأن تدبير الله له خيرٌ من تدبيره لنفسه، وما ينزل به من محن ومصائب فهو كمال العدل لتهذيب النفوس. قال تعالى وعدًا للمؤمنين الصابرين: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10).
فما أعظم أن يعيش العبدُ بين هذه المقامات الثلاثة:
صبر عند البلاء،
ورضى عند القضاء،
وتسليم عند الشدة والرخاء سواء.
فمن تحقق هذه السطور ومعانيها فاز بسعادة الدنيا طمأنينةً وبنعيم الآخرة إيمانًا.
بقلم: الأستاذ الشيخ جواد شهيب

