إنَّ من أعظمِ مِـنَحِ اللهِ تعالى للإنسانِ أنْ خلقه في أحسنِ تقويمٍ، وزيَّنه بالعقلِ والمنطقِ والبيان، وأفسح له مجال حرِّيَّةِ الخيارِ فيما هو يملك، من عناصرِ النيَّةِ والفكرِ والتدبير، ليكون مسؤولاً عمَّا يفعلُ تجاهَ الباري جلَّ وعلا، وأمام القوانينِ والأنظمةِ والأعرافِ والتقاليدِ وما شابه ذلك.
ففي الماضي القريبِ كانت الأمورُ المسلكيَّةُ والأخلاقيَّةُ تخضعُ لضوابطَ عديدةٍ؛ منها الدِّين، ومنها الأعراف، ومنها القوانينُ الوضعيَّةُ كما أسلفنا، فكانت — بحدودٍ ما — تسلكُ مسلكًا متوازنًا، أو تُشكِّل هذه الضوابطُ إيقاعًا متناغمًا مع طبيعةِ سيرِ الحياةِ إيجابًا لمن تبعها، ورفضًا ونفورًا عند الناشزين عنها. وعُذرُ هؤلاءِ أنّنا نعيش اليوم زمنَ حرّيَّة؟
الحرِّيَّةُ كلمةٌ يمكن تعريفُها بقدرةِ الفردِ على اتِّخاذِ القرارِ المناسبِ له من دون أيِّ تدخُّلٍ أو تأثيرٍ من أيِّ طرفٍ آخر، سواءٌ كان مادِّيًّا أم معنويًّا، وعدمِ اتِّباعِه لأيِّ شخصٍ من دون تفكير. فكلُّ إنسانٍ له الحقُّ في الحرِّيَّةِ والاستقلاليَّةِ الذاتيَّةِ في التفكيرِ واتِّخاذِ القراراتِ التي يراها مناسبةً له، ضمن قواعدَ وضوابطَ أخلاقيَّةٍ لا تنفي الصفةَ الشخصيَّةَ عن القرار.
على سبيل المثال، قد يتَّخذ شخصٌ ما قرارًا بالاعتداءِ على شخصٍ آخر؛ هذا قرارٌ مناسبٌ له، ولكنَّه يخرج من الدائرةِ القانونيَّةِ للقرار؛ فلا يُعدُّ اعتراضُ القانونِ عليه تحجيمًا لحريته، وإنَّما هو ترتيبٌ وتوضيحٌ للحريّات، وتناغمٌ وتماهٍ مع واقعِ الحالِ المنطقي. أمّا الحريّةُ كمفهومٍ فهي وجودُ إطارٍ عامٍّ لا يتحكَّم بالحرِّيَّةِ الشخصيَّة، ولكن يُنظِّمها ويحفظُ حريّاتِ الآخرين. كلُّ إنسانٍ له حريَّتُه، إنَّما حرِّيَّةُ الشخصِ تنتهي عندما تبدأُ حرِّيَّةُ الآخرين.
الحرِّيَّةُ كمفهومٍ مكفولةٌ في أغلبِ القوانينِ وكلِّ الأديان، والقوانينُ والأديانُ ما هي إلَّا الإطارُ الذي أشرنا إليه لهذه الحرِّيّات، فلا يُعقَل أن يُسمحَ لشخصٍ بالاعتداءِ على الآخرين لمجرَّدِ أنه قرَّر ذلك، ولأنَّ له الحرِّيَّةَ في مثل هذا العمل. وهذه هي الحرِّيَّةُ الفرديَّة.
إنَّ إساءةَ استخدامِ مفهومِ الحريّةِ لهو من أكبرِ البواعثِ على انتشارِ الفوضى والفساد، واضطرابِ المجتمعات لغيابِ الضوابطِ المادِّيَّةِ والمعنويَّةِ للحريّات، وعدمِ فهمٍ حقيقيٍّ لمعنى الحرِّيَّة، مما يجعلُ من ممارسةِ الحرِّيَّةِ أمرًا يشبه الحربَ الشعواء، فيكون البقاءُ للأقوى، والحرِّيَّةُ الغالبةُ هي حرِّيَّةُ صاحبِ القوَّةِ والنفوذ، وتنتفي هذه الصفةُ عن عامَّةِ الناس.
فإذا أعطى شخصٌ لنفسه الحقَّ في أن يُخالفَ قوانينَ السير مثلًا لأنَّه حرٌّ؛ فلن نتوقَّعَ شيئًا غير الكثيرِ من الحوادثِ المروريَّة. وإذا قرَّر شخصٌ لأنَّه حرٌّ أن يضربَ ما شاء من الناس؛ فسيصبح لدينا نهر دماءٍ لا ينتهي، لأنَّ المضروبَ أيضًا حرٌّ وله حقُّ الردّ. لا إفراطَ ولا تفريط؛ فالإفراطُ بالحرِّيَّةِ باعثٌ على الخرابِ والدِّمار، والتفريطُ في الحرِّيَّةِ مدخلٌ للفوضى لا خروجَ له.
مضمونُ الحرِّيَّةِ أنَّ هناك حرِّيَّةً بالمعنى الراقي لها، وهي الحرِّيَّةُ التي لها خطوطٌ حمراءُ لا تتجاوزُها. وهناك حرِّيَّةٌ سلبيَّةٌ وهي الحرِّيَّةُ المطلقة. وهذه الأخيرةُ لا يقبلُ بها الكلُّ نظرًا لمساوئها الكثيرة، ومن يقبلُ بها ويُقِرُّها فلا بدَّ له أن يكتويَ بنارِ سلبيّاتها.
ولتقريبِ الصورة نضرب مثالًا: لنفرض أنَّنا في بلدٍ يؤمنُ بالحرِّيَّةِ المطلقة، فإذا بشخصٍ يسبُّ جارَه، وقد يتهجَّم عليه بغيرِ سبب، حتى إذا سُئل عن سببِ الاعتداءِ قال: هذا ليس اعتداءً، وإنَّما هي حرِّيَّة، وأنا في بلدِ الحرِّيَّة. وهذا شخصٌ آخرُ يسوقُ سيارتَه بسرعةٍ قياسيَّةٍ دون أن يتوقّف عند الضوءِ الأحمر، وقد يتسبَّب في حادثة، حتى إذا سُئل عن ذلك أجاب بكلِّ بساطة: أنا حرٌّ، وأنا في بلدٍ يؤمنُ بالحرِّيَّة.
فهذه هي الحرِّيَّةُ المطلقةُ التي نعتبرُها اعتداءً على الآخر، وهي حرِّيَّةٌ قد تُدخِل الأفرادَ والجماعات في دوَّامةٍ من الصراعات. فلكلِّ أمرٍ روابطُ، ولكلِّ شأنٍ ضوابطُ، وكلُّ شيءٍ يتعدَّى حدَّه ينقلبْ إلى ضدِّه. فالحرِّيَّةُ المسؤولةُ المنضبطةُ هي عنوانُ رقيِّ الشعوب، وبرهانٌ ساطعٌ على قوَّةِ الشكيمةِ عندها، ومناخٌ صالحٌ للعيشِ بأمنٍ وكرامةٍ وسلام. عسى اللهُ أن يمنحَنا مثلَ تلك الحالات.
إذا صحَّ العقلُ صحَّ الفعل، وإذا صَفَتِ النوايا وضَحَ الطريق. سلامٌ لكلّ قارئٍ مُستبصرٍ واعٍ مُدرِكٍ أريبٍ عاقل…
بقلم: الشيخ نسيب يوسف عربي

