نظرٌ واعتبار

نظرٌ واعتبار

ليس التأمّل ترفًا للعابرين، بل هو وقفة الحكماء عند عظمة الوجود، حيث يتعلّم القلب أن يرى ما لم تره العين، وأن يسمع ألحان الإيمان وأنغام اليقين على رغم  الصخب والضجيج، وأن يعترف بأنّ أعظم الحقائق تمرّ بنا صامتة كل يوم.

أنظر واعتبر…

أنظر إلى هذا الوجود الممدود ككتابٍ مفتوح، فسطوره الكواكب، وحروفه الأنفاس، وعناوينه تلك النِّعم التي تحيط بنا، حتى بتنا لا نراها لشدة قربها.

تأمّل وجود الخلق، وعظمة الخالق …

لا في الاستثناء، بل في نعمة العطاء،

في شروقٍ يتكرّر ولا يملّ،وفي ليلٍ يأتي في موعده كأمينٍ لا يخون، وفي قلبٍ يخفق منذ الولادة دون أن تطلب منه وعدًا ولا تفسيرًا.

أيّ عظمة هذه… التي جعلت للكون نظامًا لا يضطرب، وللحياة ميزانًا لا يميل، وللذرّة مسارًا لا تتجاوزه،

بينما النفس الإنسانية، تطلب ما إليها، وتترك ما عليها، فلا تعرف حدّها، ولا تقف عنده ؟!

كم من نِعَمٍ نعيشها، ولا نسميها نِعَمًا!

نَفَسٌ يدخل ويخرج كأنه حقٌّ مكتسب، وأمنٌ ننام في ظله كأنه واجب على الحياة، وصحّةٌ لا نشعر بها إلا إذا غابت، ووقتٌ نبدّده ثم نشتكي ضيقه.

النِّعَم لا تُعدّ ولا تُحصى، ولكن النفس لا تكتفي. تُعطى فتطلب المزيد، وتُغدق عليها الخيرات، فتنظر إلى ما في يد غيرها، إذن ليست المشكلة في قلّة العطاء، بل في ضعف الاعتبار، وعدم الصفاء.

فلو اعتبر الإنسان، لرأى أن ما عنده اليوم، كان حلمه بالأمس، وأن كثيرًا مما يتذمّر منه

يحسده عليه الناس.

أنظر واعتبر…

كم من بابٍ فُتح لك دون أن تطرقه، وكم من بلاءٍ صُرف عنك وأنت لا تعلمه، وكم من دعاءٍ لم تنطقه، فجاءك الجواب رحمةً خفيّة.

النفس يا صديقي، عجيبة في وجودها، غريبة لكثرة جحودها ، سريعة النسيان، بعيدة عن القناعة، كأنها خُلقت لتطلب، لا لتشكر، وتعدّ ما فاتها، لا ما أُُعطيت.

فالاعتبار يوقظها، يذكّرها أن القناعة ليست فقر الطموح، بل غنى القلب. وأن الرضا ليس استسلامًا، بل حكمة ترى النعم  وإن لم تنلها .

يا أخي تأمّل الوجود…

تتعلم الحمد دون واعظ، وتتعلم الشكر دون خطاب، وتدرك أن أعظم الدروس، لا تُقال… بل تُرى. وهكذا، حين يهدأ الضجيج داخلنا، ويصير النظر عبادة، والاعتبار يقظة، نكتشف أن أعظم ما نحتاجه لم يكن يومًا مزيدًا من النِّعم، بل عينٌ ترى، وقلبٌ يرضى، ولسانٌ يذكر، ونفسٌ تقنع، فالقناعة ليست أن يقلّ الطموح، بل أن يسمو الهدف، وليست أن نغلق باب الرجاء، بل أن نفتحه على الشكر. فمن عرف نعمة الله في القليل، بارك الله له في الكثير.

وما الاعتبار إلا صلاة صامتة، نرفعها حين نعجز عن الكلام، فنعود أنقى، وأصدق، وأقرب، إلى أنفسنا، وإلى الله سبحانه وتعالى ورسوله وأنبيائه وأوليائه.

بقلم: الشيخ وسام سليقا/ لبنان

رئيس اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز.


اكتشف المزيد من سراج المعرفة

اشترك ليصلك أحدث المقالات والمواضيع إلى بريدك الإلكتروني.