نقد الذات بداية النضج

نقد الذات بداية النضج

من العادات الاجتماعية التي يستخدمها كثير من الناس عادة النقد، فالنقد أداة سلوكيّة توجيهيّة، تُطوّع من أجل اهداف معينة، وقد يكون النقد خارجيًّا أو ذاتيًّا من نفس الإنسان. فالنقد الخارجي هو النقد الذي يوجَّه من إنسان إلى إنسان آخر، بينما النقد الذاتي هو النقد الذي يوجّهه الإنسان لنفسه ولذاته، وهو الأهم؛ لأنّ بناء المجتمع يبدأ من بناء اسس تهذيب الفرد وصقل  أخلاقه وتقويمها.

وميّز علماء الاجتماع بين النقد الإيجابيّ  والنقد السلبيّ؛ فالنقد الإيجابيّ هو الذي يكون هدفه نبيلا وغايته سامية، بينما النقد السلبي يكون بدافع الغيرة، أو الحسد، أو غير ذلك من آفات النفس، ويكون في الأغلب من دون غاية أو هدف.

إنّ أهميّة النقد الذاتي في بناء الفرد والمجتمع كبيرة، فشخصيّة الإنسان هي مجموعة السمات والخصائص الشخصيّة التي تميّز إنسانّا عن غيره، وكثير من سمات الشخصية قد تتغير إلى الأفضل، فالنقد الذاتي اداةٌ تساهم في إحداث التغيير في شخصية الإنسان، وبالتالي تصحيح مساره في الحياة نحو الأفضل والأكمل.

ومثال على ذلك ان ينقد الإنسان ذاته حين يتبيّن وجهًا من أوجه القصور فيها فيقوّمها ويصلحها، فالإنسان حين يرى نفسه كسولا محبًّا للرّاحة والنوم مثلا لفترات طويلة، ويتبيّن أنّ هذا الأمر قد يشكّل له عقبة في سبيل تحقيق كثير من الأمور والغايات فيكون النقد الذاتي لنفسه من خلال محاسبتها على ذلك، وتذكيرها دائما بفوائد النشاط والحركة ومساوئ الكسل والخمول.

ولا شكّ أنّ هذا الأمر يسهم في بناء النفس الإنسانية من خلال تذكيرها بالمُثل، والقيم، والمبادئ التي ترفع من شأنها وتعلي قيمتها بين الناس. وإن محصّلة النقد الذاتي لكل فرد من أفراد المجتمع إنتاج مجتمع راشد شريف ذي اخلاق قويمة، يقوّم نفسه باستمرار، ويوجّه مسيرته نحو بوصلة تحقيق الأهداف والغايات التي ترتقي بالمجتمع والأمة.

وكذلك من ثمار النقد الذاتي تغيير الحالة التي يكون عليها الفرد والمجتمع بحيث يلمس الإنسان آثار هذا التغيير رغدا في العيش وسهولة في الحياة؛ وإنّ سنّة التغيير هذه، من سُنن الكون والحياة، قال تعالى: “إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ“، فبداية التغيير إذن، في واقع الحياة، تكون بتغيير الأنفس وتقويمها. وأهم المداخل لذلك، نزع “الأنا الكبرى” الهادمة والمانعة لكلّ نقد وتغيير وإزالتها.

واخيرا، إن النّقد الذاتي وسيلة مهمّةٌ لكثير من الساسة والحكام والمسؤولين في شتى المجالات من أجل تصحيح مسارهم، وتعديل برامجهم، وتقويم سياستهم في إدارة شؤون الرعية، وقد ضرب السلف الصالح من الخير مثالا على ذلك، ومثالا في محاسبة النفس ونقدها، التي هي أهم عنصر في تقويم سلوكيّات المرء وتقويم عاداته .. كما قال الشاعر :

عُداتي لهم عليَّ فضلٌ ونعمةٌ

لا أذهبَ الرّحمنُ عنّي الاعاديا

هُمو بحثي عن علّتي فاجتنبْتها

هم نافسوني فاكتسبتُ المعاليا…

مع تقديري وتحياتي لكلّ قارئٍ مستبصرٍ واع.

بقلم: الشيخ نسيب يوسف عربي.


اكتشف المزيد من سراج المعرفة

اشترك ليصلك أحدث المقالات والمواضيع إلى بريدك الإلكتروني.