في خضمِّ ظلماتِ الحياة، وحينَ تتكاثفُ الغيومُ في سماء القلوب، وتتعالى أمواجُ الابتلاء، يبقى المؤمنُ الموحّدُ متشبّثاً بخيطِ النّورِ الذي لا ينقطع، متيقّناً أنَّ بعد كلّ ليلٍ فجراً، وبعد كلّ محنةٍ منحة، وبعد كلّ ضيقٍ فَرَجاً. فاطمئنوا فما بعد الصّبر إلا النّصر، وما مع العسر إلا اليسر، وما بعد الدّعاء إلا الإجابة، وما بعد الغيم إلا المطر، وما بعد الاحتساب إلا جنى الرّضا.
جاء في الحديث الشريف عن نبينا المصطفى: “واعلمْ أنَّ النصرَ مع الصبرِ، وأنَّ الفرجَ مع الكربِ، وأنَّ مع العسرِ يُسرًا”. عبارة تمسحُ غبارَ الصّبرِ عن وجوهِ الموحّدين، وتروي بدموعِ الفَرحِ قلوباً أتعبَها الانتظار، وأضناها طولُ الابتلاء. مشهدٌ لا يُرى بالعين، ولكن يُدرَكُ ببصيرةِ القلب، حيث يبلغُ الإيمانُ مداه، ويستقرُّ اليقينُ في أعماقِ الرّوح.
كأنّي بكم وقد تبدّدت غيومُ القلقِ وانحسرت عن الأرواحِ سُحبُ الخوف، فتسلّلت خيوطُ الفَرَجِ بين شقوقِ اليأسِ، كما يتسلّلُ الصّبحُ من أطرافِ اللّيلِ، يُعلِنُ ميلادَ يومٍ جديد.
ما أعظمَ لحظةَ الفَرَجِ حين يأتي بعد الصّبر، فهي ليست مجرّدَ تبدّلٍ في الأحوال، بل هي ولادةٌ جديدةٌ للإيمان، وتجديدٌ للعهدِ مع الله، بأنَّ الصّبرَ لا يضيعُ، وأنَّ الرّجاءَ لا يخيبُ!
كأنّي بكم وقد تبدّلتِ الموازينُ، وسكنَتِ النّفوسُ بعد قلق، واطمأنّتِ القلوبُ بعد اضطراب. وإذا بالرّيحِ التي كانت عاصفةً بالأمس، قد صارت نسيماً يملأُ الأفقَ سلاماً وبشارةً، وكأنَّ الصّوتَ يهمسُ، لا تيأسوا من رحمةِ الله، فإنّه قريبٌ من المحسنين، وما أكرمَ ربّاً قال لعباده: “فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا”! فقد جعل من رَحم الشّدةِ أبوابَ النّصرِ، ومن باطنِ الألمِ بذورَ الأمل.
إنّها ليست رؤيةَ حلمٍ بل يقينُ قلب. فالموحّدُ حينما يثقُ بربّه يرى الفَرَجَ قبل أن يُرى، ويسمعُ همساتِ جيوشِ الرضى قبل أن تتحقق، ذلك هو الإيمانُ الذي يصنعُ الطّمأنينةَ في أحْلَكِ اللّحظات. كذلك يولدُ الفَرَجُ، لا حين تنقشعُ الأزماتُ فقط، بل حينَ يُضاءُ القلبُ بنورِ الثّقةِ بالله. فسلّموا لحُكمِه، وثقوا بوعده، وتيقّنوا أنَّ ملائكة الرحمن تُعد الفَرج لكم في عالم الغيب، وأنه ينزِلُ أو يأتي في الوقت الذي يعلمُه الحكيمُ الرّحيم الودود.
فيا من ضاقت به الأيامُ، لا تيأس فإنَّ اللهَ قريب، ويا من أرهقَتْهُ الأحزانُ، لا تحزن، فاللهُ أرحمُ الرّاحمين. واعلمْ أنَّ الفرَجَ إذا نزَلَ لا يُبقي من الهمِّ أثراً، ولا من الخوفِ بقايا. تفاءلْ بالخير، وانتظرِ النّصرَ، فإنّه آتٍ لا محالة. ولعلّ اللهَ يُريك في لحظةٍ واحدةٍ كيف تنقلبُ الأحوال، ويتبدّلُ الحزنُ فرحاً، والضّيقُ سعةً والظّلمةُ نوراً.
اللّهم اجعلنا من الصّابرينَ عندَ البلاء، الشّاكرين عند النّعماء، الرّاجين لفرَجِك عند الشّدة والابتلاء.
اللّهم اجعلنا نرى جيوشَ ألطافك وقد حلّت، ونورَ رحمتِك وقد عمَّت، وبشائرَ وعدِك وقد تحقّقت، برحمتك يا أرحم الرّاحمين.
وآخرُ دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
بقلم: الأستاذ الشيخ فاضل سليم
رئيس المصلحة التربويّة والدينيّة في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز.

