تعتبر العباءة المقلمة قلم أبيض وقلم أسود، أو المتعارف عليها بالعباءة البيضاء، الخاصة بالمشايخ، بمثابة دلالة على تميّز الشيخ بدينه وتقواه والتزامه بالعبادات والأوامر والنواهي الدينيّة. وجرت العادة عند مشايخنا الأعيان منذ مئات السنين، أن يتم تكريم الشيخ المستحق هذه العباءة من قبلهم، وأحيانا يحاول الشيخ المكرّم الاعتذار الشديد عن ارتدائها تواضعا منه واعترافا بعجزه وتقصيره عن لبسها من جهة، وأيضا كي لا يُشار إليه بالثناء والتقدير بين إخوانه وفي مجتمعه من جهة أخرى. وهذا السمت الروحاني شبه ملازم لمشايخنا الأتقياء الأنقياء في مسلكهم التوحيدي، بحيث يتقنون طرق إخفاء أعمالهم وسترة أفضالهم كي لا يدخل إلى عملهم حب رؤية الخلق، فكلّ همهم نيل رضى الخالق تعالى وعفوه.
كيف بدأ سمت العباءة المقلمة؟ وما هو سببها؟
للإجابة عن هذه الإشكاليّة، لا بد لنا من التعريف بالمرحوم سيدنا الشيخ سعيد بن علي البقعسماني، من بلدة بقعسم من قرى إقليم البلاّن في سوريا.
ديانته منذ صغره:
لما كان في حداثة سنه، غضب عليه أبوه يوما، فهرب منه، فلحقه ليضربه، فالتجأ إلى تل هناك مجاور بلدتهم، وصار يدور حول هذا التل وأبوه يلحقه ويشتمه، وبعد مدة التقاه أبوه، فقال له: يا أبي أنت في مسيرك حول التل تكلمت بكلام ربما لحقك فيه آثام، وأنا في مسيري حول التل قرأت شيئا من الذكر الحكيم، فأينا أوفر أجرا؟ ثم إن والده رضي عنه واسترضاه.[1]
ورعه:
وقيل عنه أنه كان ناطورا لبساتين سقيا عَيْرَان فبقي سنين ولم يذق من ثمرها شيئا[2].
لماذا ارتدى العباءة المقلمة ولبّسها لإخوانه؟
قال عنه الشيخ أبو زين الدين حسن العقيلي، في كلامه عن المشايخ الأجلاء: أولهم المرحوم الشيخ سعيد البقعسماني، كان رحمه الله تلميذ السيد الأمير، وفي آخر عمره لزم بلده، وكان يزور السيد كل ليلة جمعة، إبّان إقامة السيد في دمشق ولما جُمعت منظومات (القصائد والأشعار الروحانيّة) الشيوخ والتلاميذ لم يأتِ هو بمنظومة، فأمره السيد الأمير بأن ينظم شعرا، فاعتذر، فلم يقبل السيد اعتذاره، فنظم قصيدة مطلعها:
صحا القلب من خمر الهوى بالمعالمِ
وحاد عن الفحشا وطرق المظالمِ
فلما قرأها السيد تبسم من قوله:
فقالت لك البشرى بنفس أبيةٍ
لك الفوز في الدارين عن صفو نيةٍ
فسأله السيد من أين يحق لك أن تهنيء نفسك؟ فقال له: إن نفسي لم تطالبني بذنب مدة حياتي التي مضت. فهنّأه السيد واجتباه وقدّم له جُبة جوخ. والجبة هذه يلبسها العلماء. فأخذ الجبة ولكنه باعها واشترى بثمنها صوفا وحيّك عشر عَبِيّ مقلمة قلما أبيض وقلما أسود، وهي اليوم تسمى العباية البيضاء. فلبس هو عباءة منها، وأخذ التسع الباقية لتلاميذ السيد الأمير فلبسوها. ومن ذلك الوقت ليومنا هذا يلبسها أهل الدين[3].
يمكننا القول إن سبب العباءة البيضاء هو عدم مطالبة نفس الشيخ سعيد بذنب منذ سنوات طويلة. فأي نفس طاهرة مطهرة مطمئنة هذه؟ كيف وصل الشيخ السعيد إلى هذه المرحلة البارزة في النقاء والعفاف؟ إنه مسلك أهل الفضل وطريق أهل النقاء، وسبيل أهل الصفاء، الذين ترقوا من النفس الأمارة إلى النفس اللوّامة ومن ثم إلى النفس المطمئنة، التي من أبرز صفاتها العلم الصحيح والمعرفة الدقيقة واليقين البالغ. إنه جاهد بالله حق جهاده، فاستقامت نفسه كما أُمرت.
وفاته رضي الله عنه:
كان قد طرح خشبة فوق النهر لكي يقطع عليها من جانب إلى آخر، فجاء قوم من بني فهد من قرية بقعسم، ونشروا الخشبة إلا قليلا منها، فجاء الشيخ ليلا وقطع على تلك الخشبة كعادته، فسقط في النهر فاختنق. وكان الليل مظلما فصار جثمانه الطاهر يضئ كأنه كوكب بقدرة الله تعالى، وتلك كرامة له. فرأى أهل القرية المجاورة في ذلك النهر كوكبا يسري مع الماء، فسارعوا إليه ليروا حقيقة ذلك، فرأوا جسدا في النهر، فأخرجوه وعلموا أنه ولي من أولياء الله تعالى. وجاء أهل بقعسم ليأخذوه، فمنعهم أهل بلدتي بَيْتِيما وكفرحور، وقالوا هذا ولي بعثه الله إلينا. فقال أهل بقعسم هذا رجل منا ندفنه في بلدته، وله والدة عجوز كفيفة النظر، والخلاصة أنهم أخذوه وفي داره دفنوه، وقبره يزار ويتبرك به إلى الآن رحمة الله عليه. ولم نقف على تاريخ وفاته. وأما الذين صنعوا تلك الجريمة النكراء فقد قطعوا ورذلوا.[4]
نسأله تعالى أن ينعم علينا بالاستقامة على طاعته، والثبات على عبادته، وأن لا تزل قدمنا بعد ثبوتها، وأن يعاملنا بما هو أهله لا بما نحن أهله، والصلاة والسلام على رسولنا المصطفى وعلى آله وصحبه ومن عصم نفسه عن الهوى واعتصم بحبل الله تعالى المتين.
بقلم: الشيخ كامل العريضي/ لبنان
[1] مناقب الأعيان، الشيخ أبو صالح فرحان العريضي، الجزء الأول، ص: 108، منشورات مدرسة الإشراق عاليه، الطبعة الأولى 2000.
[2] المصدر السابق، ص: 108.
[3]المصدر السابق، ص: 107 – 108،
[4] المصدر السابق، ص: 108- 109

