لوحةٌ تؤاخي الطبيعة، تعكس نظرة البسطاء، تشبه جباه الكادحين.
في الريف بيتٌ قاعد على كتف واد، أو مجاور لبركة ماء، أو مستلقٍ على هضبة خضراء.. حجارة اصطفت تتفيأ بظل زنبيل وتتحلى بمنجلٍ ومقراط وتتمسك برزمة غزّار، جرن حجريّ وكرسيٌّ من قشٍّ بفناء الدار، تجلس عليها “ست البيت” في الصباح تحضّر المؤن أو تغسل الثياب، ويستلقي عليها صاحب الدار العائد من عمله عند الظهيرة يسترد أنفاسه بشربة ماء بارد من إبريق فخار…
في المدينة بيتٌ يشبه ألف بيت، أبوابٌ مغلقة لمساكن صامتة؛ تنظر من حولك فترى أشخاصًا لا تشبه بعضها، لا تعرفهم ولا يعرفونك، فأذنك لا تسمع إلا ضوضاء الشوارع المكتظة بهؤلاء، من مزيج أصوات وتعدد لغات، ولا تجد من يلقي عليك السلام.
في الريف أقرباء، “البيت بيتك” أينما توجهت، “لا غريب إلا الشيطان” تعرفهم ويعرفونك، لا تجد حرجًا في دخول أي بيت من بيوتهم بغير موعد مسبق، “كلنا أهل “…
البيت الريفي في الصيف مخزنٌ لخيرات الأرض، خريفه تحضير مؤن من القمح والزيت والألبان والمخللات، وأحطابٌ تنتظر القطع والتوضيب؛ شتاؤه موقد وحكايات، فللمزارع فرصته السنوية لزياراته ومطالعاته؛ ربيعه رياحين وألوان لا يقدر على وصفها لسان، تنتشر الناس كسريات العسكر في الجبال والهضاب تجني ما تيسر من بقولٍ وأعشاب .
بيت المدينة تمتزج فيه الفصول، فتختزل التنوع وتختصر الألوان لتصبغ جدرانه من دخان محركاتٍ ومصانع، تنقلب المؤن الى تموين يومًا بيوم، وحكاياته روتين عمل متواصل لا يجد منفذًا حقيقيًا الا بنزهة الى الشاطئ أو ….زيارة لمنزل الريف.
بقلم: الشيخ طاهر زين الدين/ لبنان.
كتب هذا النص الوصفي ضمن المقررات الدراسيّة في كليّة الأمير السيّد عبد الله التنوخي (ق) الجامعيّة للعلوم التوحيديّة – عبيه.
الرسمة بريشة الرسام: ميشال روحانا.

