الرّأي هو الإعتقاد والتّدبير والنّظر والتّأمّل، ومن خلاله تنجلي صورة الإنسان، أَمصيبٌ هو أم مخطئ؟.
الرّأي السّديد هو الرّأي المتجرّد عن هوى النّفس، والمنطلق من نفس ساكنة مطمئنة، غير غاضبة ولا منفعلة، حاملة رسالة النّفع والسّلام هدفه الإصلاح والترقّي لا التّضليل والإفساد، والمأخوذ بالمشورة؛ يقول الإمام علي (ع): ” من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها” ( نهج البلاغة ). والإقتداء بآثار الصّالحين من الأنبياء والأولياء والحكماء، الّذين هم سفراء اللّه سبحانه للخلق أجمعين {قل آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ } [يونس 59]، وأن يأتي هذا الرّأي عن معرفة وعلم، فمن لا يملك معرفة بأمر من الأمور فلا يفترض به أن يتكلم فيه، {هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [آل عمران 66]، واختيار الوقت المناسب لإبداء الرأي، فإبداء الرّأي بغير أوانه مضيعة للرّأي، وفقدان قيمته، وأن يكون صاحب الرّأي ذا تقوى ودين، وفكر ووعي، ومحترمًا للقيم الإنسانية، وموضع ثقة النّاس واحترامهم.
وإنّ مخالفي الرأي السّديد الموصوف بتلك الصفات المذكورة تكون سبب مخالفتهم لأسباب عدّة:
- عدم الدّقة في محاسبة النّفس. فصاحب الرّأي السّديد فردًا كان أم جماعة هدفه أو هدفهم الإصلاح، ونشر السّلام، وفك النّزاعات، والتّصافي، والتّآلف، فيأتي الرّأي المعاند المعاكس لأنّ الرّأي السّديد يضعف من جاهه، أو يلغي دوره العلمي والإجتماعي، أو ينقص منه، أو يؤثّر على نسبه وقبيلته.
والرّأي المعاكس لا شكّ سببه الغرور والحسد والطّمع… فهنا يضيع الحق في الزّواريب الضّيقة المظلمة.
كما قال أحد العلماء: ستّة لا يرتجى منهم نصرة الحق أبداً: قويّ مغرور متسلِّط، وشهواني سدَّت عليه الشّهوة منافذ تفكيره، ومبطل وجد له أتباعاً يغرّونه بالمضي في طريقه، وعالم اتَّخذ من علمه وسيلة لتحقيق أطماعه، ومتزهّد اتَّخذ الزّهد في الدّنيا ستاراً لحيازتها، وطموح للشّهرة اتَّخذ من مخالفة الحق سبيلاً إليها. وقد أكّد ذلك سيّدنا الشّيخ الفاضل رحمه الله في قوله: “على المؤمن أن يكون كثير المتابعة، قليل المنازعة، قليل المراجعة”…
وقد قال تعالى في كتابه العزيز عن نبيّنا يوسف عليه السّلام: { وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} (سورة يوسف آ: 53). فقد ظهرت براءة نبيّنا يوسف الصّديق عليه السّلام علنًا، ومع هذا ولدقّة محاسبته لنفسه وخوفه من الله سبحانه قال:” وما أبرّئ نفسي”. وقد كان إفلاطون الحكيم يعظ النّاس يومًا وأرسطاطاليس الحكيم موجود، فطُلِبَ منه التّكلّم والوعظ للنّاس، فأجاب: أستاذي موجود- أعنى إفلاطون- لا أتكلّم. وهما من أكبر مفكري البشريّة. كلّ هذا يدلّ على أنّ الإنسانية تسمو بتقبل الرّأي الآخر بمحبة وصفاء، وإنّ الإنسان العاقل هو من يدرك أنّه نصفان: نصف كيانه الشّخصي، والنّصف الآخر أخوه الصّديق المخلص النّصيحة والمحبّة. وصدق الشّاعر في قوله:
مِن حَبَّةِ القَمحِ اتَّخِذْ مِثلَ النَّدى،
يا مَن قَبَضتَ عنِ النَّدى يَمنَاكَ.
هيَ حَبَّةٌ أَعطَتكَ عَشرَ سَنابِلَ،
لِتَجودَ أَنتَ بِحَبَّةٍ لِسِواكَ.
حَلِمَتْ بِأَن سَتَعيشَ في خُبزِ القُرَى،
فَتَراقَصَتْ لِلمَوتِ حَولَ رَحاكَ.
وكَأَنَّما الشَّقُّ الَّذي في وَسطِها،
لَكَ قائِلٌ: نِصفِي يَخُصُّ أَخاكَ.
وقال السّيد الأمير جمال الدّين التّنوخي قدّس الله سرّه:” ومن لا يحاسب نفسه في صغير ما يخطر بباله، ويفتّش عن أحواله صغيرها وكبيرها، فكيف يسلم من خديعة عدوّه الّذي هو معه لا يفارقه ويسوس إليه بالشّبه والأغاليط؟”.
2- احترام الرّأي الآخر لأنّ التنوّع غنى.
إنّ تقبّل الرأي الآخر، والإنفتاح على الآخرين، والقبول بالتّنوع، وعدم التعصّب الأعمى فهو فرض من ربّ العالمين. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾[سورة الحجرات، الآية 13] “يا أيّها الناس” دلالة على أنّ الكلام لعامة البشر
“وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا”
إنّ التنوّع والإختلاف بالأنساب والمعتقدات والأديان… لا يكون مدعاة للنّزاعات، وإلغاء الغير، والتعصّب المميت، بل للتعارف والتّحابب والتّعاون.
“إن أكرمكم عند الله أتقاكم”
أكّد أنّ ميزان التفاضل بالتّقوى: أي الخوف من الله، والمعاملة الحسنة والأخلاق الحميدة.
إنّ صاحب الرّأي الرّشيد الحكيم مهما علا شأنه، يحتاج إلى الرّجوع لله سبحانه، بالنيّة المخلصة، والتضرّع الصّادق، وإلقاء المقاليد إليه، والإستعانة به، وطرح الأنا. فجاء عن لسان الحق تعالى: “من طرح الأنا لاح له من أنا”. فهذا النّظام القائم بين العبد والمعبود هو باب السّلامة الإنسانية والإجتماعية، ومفتاح التّوفيق والخيرات.
بقلم: الأستاذ الشيخ غسان أبو ذياب/ لبنان

