هو أحد من أظهره الله إلى الخلق وصرفه إلى الوجود، ومكّنه من الأحوال وملّكه الأسرار، وخرق له العادات وقلّب له الأعيان وأظهر على يديه العجائب، وأنطقه بالمغيبات، وأجرى على لسانه لطائف الأسرار، وأوقع له القبول التّام في الصدور والهيبة العظيمة عند الخاص والعام، وجعله إمامًا للمتّقين، وعلمًا للهدى. وهو أحد أركان هذه الطريق وأجل أئمتها البارعين ورؤسائها وسادتها المحققين، انتهت إليه نقابة الأشراف في وقته، وله غدا الأمر في تربية السالكين الصادقين بدمشق. وكشف مشكلاتهم، وتخرّج بصحبته غير واحد من العظماء رضي الله عنه وعنهم أجمعين. وتَلْمذ له خلق كثير من أرباب المقامات السنيّة، وانتمى إليه جمع غفير ممن له قدم راسخ في هذا الشّأن من المشايخ. وانعقد إليه بالتبجيل وأشار إليه المشايخ والعلماء ورجعوا إلى قوله وأقروا بمكانته وبرّزوا عدالته. وكان شريف الأخلاق، لطيف الصفات، كامل الآداب والعقل، دائم البشر منخفض الجناح كثير التواضع، شديد الحياء، مُكرِّما لأرباب العلم. وكان له كلام نفيس على لسان أهل الحقائق: أصل الطاعة الورع، وأصل الورع التقوى، ومحاسبة النفس الخوف والرجاء، وأصل معرفة الخوف معرفة الوعد والوعيد، وأصل ذلك الفكرة، وملاكها العِبْرة. وحسن الخلق احتمال الأذى وقلة الغضب وبسط الوجه. ومن لم يسمع نداء الله فكيف يجيب داعيه. ومن استغنى بشيء دون الله تعالى، فقد جهل قدر الله تعالى. وقال رضي الله عنه: صلاح القلب من ثلاثة أشياء: رفض الدنيا، والرضى بما قسم الله، والاشتغال بطلب العلم للآخرة.
ومن مقولاته السنيّة قوله: الأجسام أقلام، والأرواح ألواح، والنفوس كؤوس، والوجد حسرة تُلْهب، ثم نظرة تَسلِب. والقوة محادثة السر عند اضطلام العبد بشاهد الحضور، واستغراق القلب في بحر المشاهد، وما كل من خدم يعرف آداب الخدمة، لذلك كثُرت ردّة المستجيبين عن الطريقة.
وقد وصف السيدَ جمالَ الدين عبد الله التنوخي الجمُ الغفير من السلف وأثنوا عليه وقالوا عنه: إنه سيد وقته، وقطب عصره وغوث زمنه، وقد أجمع على ذلك رجال العصر. ويُقال إنه كان يقول وهو يجود بروحه المباركة: آمنت بالله وحسبي الله آمنت بالله وحسبي الله.
المصدر:
- عبد الغني هاشم العبجي، الزاهد جمال الدين عبد الله التنوخي، مجلة الموسوعات، دمشق 1895، ص:4-5.
- نقلا عن كتاب: الرسالة الموسومة بنهر الجمان في شرح غريب آيات القرآن، للعالم العلامة وحجة العصر والأوان الإمام الأوحد نقيب الأشراف في دمشق السيد الأمير جمال الدين عبدالله التنوخي، أشرف على جمعه ونقله من مصادره الشيخ أبو صالح فرحان العريضي والقاضي ربيع زهر الدين، بوّبه وحقّقه الشيخ د.وجدي الجردي، ص: 40-41-42-43، منشورات الإشراق عاليه.

