الزّواج معنى وغاية

الزّواج معنى وغاية

القِران هو مشروع لتأسيس أسرة، وهو أهم نظم الحياة وركيزة من ركائز المجتمع لانه تكافل وتضامن بعقد شراكة بين شخصين تحابّا، وسُنّة من سنن الأنبياء وتلبية لرغبة فطرية مخلوقة في جِبّلات الأنفس لصيانتها من البغاء والفحشاء، وبقاء النّوع البشري وإقامة المجتمعات والأمم.

إذن هي حاجة كونيّة ورغبة ذات مغزى وغاية شريفة، إذا أقيمت بشروطها الموضوعة لها حسب أصول الشّرع الإلهي المقنن لهذه الحالة نظرا لأهميتها وقدسيتها وما يترتّب عليها من إيجابيات وسلبيات.

في الماضي القريب وما عهدناه من السّلف والرعيل الأول الذي كان يوجه جُلّ عنايته واهتمامه لإنجاح هذا العقد المبارك، وذلك ببثّ مؤثرات التّوجيه والتّنوير والتّرشيد لديمومة هذا العقد. 

فكان الأب والأم عند إقدام أحد أبنائهم على الزواج يقومان بخلق جو من التفاهم والمحبة، ودعوتهم إلى المؤاثرة والتفاني وزرع بذور الألفة والتحابب وإنكار الأنا والأنانيّة ونشر روح المسؤولية، بإعطاء قيمة معنويّة روحانيّة في نفوس القادمين على هذا الاستحقاق، وتعريفهم الأبعاد الدينيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة لهذه الخطوة المفصليّة في حياتهم.

فكانت الأم توصي ابنتها قائلة يا ابنتي: كنتِ في دار أبيك وها أنت اليوم في مرحلة جديدة من عمرك تدخلين بيت رجل اختيارك من بين النساء وقدّرك وسيكون لك الولي والسند والحبيب والعاصم.

كوني له نعم الشريكة ليكون لكِ الراعي الصالح، كوني له الأخت الحنون ليفديك بدمه، كوني له الزوجة المخلصة ليؤثرك على نفسه، كوني له ملكة ليكون لك تاجا، كوني له عند الرزايا عونا، ليكون لك عند البلايا صونا. بادريه بالتحنان وأشعريه بالأمان، وليكن شعار بيتك طاعة الله واقتناء القيم والأخلاق والعادات الشريفة ومناقب أهل الخير والشيم العلم والثقافة والأدب.

أنت صانعة الرجال والأمهات، إنْ أصبتِ أصلحت قوما، وإن أخفقتِ هدّيتِ من الأمة ركنا أصيلا.

فالله الله ما أنتِ قادمة عليه وما عهدتُ فيكِ، فبين يديكِ أمانة سمعتنا، فلا تسقطِ دمعتَنا .

أما الأبّ فيقول لولده: يا ولدي ها قد اخترتَ من النساء قرينة عمرك وشريكة دهرك وعبير وردك. فلتكن لنفسكَ الصنوَ والمثل والحبيبة والأمل. ساوِها بنفسك وظلّلها بعطفك وحاكها بأنسك. فبين يديكَ أمانة لا تضاهيها أمانة. فإذا ما اشتدّ بك الخطب ووقع بك الغِيَر، فلتكن لقمتها قبل لقمتِك وكسوتها قبلَ كِساكَ وصيانتها غاية مبتغاك. وكنْ يا بُنيَّ ظلال بيتك وعزّهُ وركنه الأشمّ ورمزه، وكنْ ألفَه وياءهُ وهمزَهُ. فإذا أسهمتك يدُ الدهر سهمًا فلا تُسرف، وأَكدى بك الزمانُ فلا تعجفْ، فعند الله عاقبة الأمور.

فبهذه الأوصاف والتوصيات يا سادتي كانت تُزف العروس، بدرع منيع محروس، لا شروط ولا تعجيز، ولا صفقات دنيويّة ولا تمهيز، فالضمانة هو الوعي والأخلاق، وليس المال والمتاع ولا الذهب البرّاق. فكان الخلاف أقل والطلاق شبه معدوم.

أما ما نعانيه اليوم من سوء الحال، فهو غني عن المقال، ولكن لكل سبب مسبب، ولكل نظام أصول، ولكل زرْع مأكول، فعلينا إعادة النظر في الواقع المعاش، لما أصبحنا عليه من خطر، فالخلل حاصل في الموازين، والمستقبل مؤدّاه حزين، إذا لم نتدارك الأمر بالوعي الصحيح، ونصلح ما أفسدنا بالسعي نحو الخير والفضيلة والخلق المليح.

اللهمّ يسر لنا أمرنا واصلح ما بأنفسنا واحمِ أعراضنا وبلّغنا أغراضنا، وأرشدنا إلى سواء السبيل، ولا تؤاخذنا بما سهونا عنه وقصرنا فيه إنك أنت العفوّ التّواب الرحيم.

بقلم: الشيخ نسيب يوسف عربي/ لبنان


اكتشف المزيد من سراج المعرفة

اشترك ليصلك أحدث المقالات والمواضيع إلى بريدك الإلكتروني.