الحمد لله مؤلف القلوب على الهدى، ومنزيل الغيّ والهوى من نفس من آمن وصدّق واهتدى، القائل في محكم كتابه: “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَويْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ”، وقال: “وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ”، وقال: “وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ”، وصلى الله على رسولنا المصطفى المبعوث ليتمم مكارم الأخلاق، وعلى آله وصحبه، ومَن هذّب أخلاقه وراقب الله في نيته وقوله وفعله، عملا بقوله عزّ وجلّ: ” مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ”.
بني قومي،
منذ عدّة سنوات، وبسبب الانتشار الكثيف لوسائل التواصل الاجتماعي، برزت ظاهرة التخوين لكل مَنْ يخالفنا الرأي، سواء السياسي أو الثقافي أو الاجتماعي، إضافةً إلى التحقير الشخصي المهين، والسبّ والشتم، ونشر ما لا يجوز نشره من خصوصيات لا تتعلّق بالشأن العام، وذلك عبر تلك الوسائل من خلال مقاطع الفيديو أو المقالات أو التدوينات على الصفحات الخاصة.
وهذه الظاهرة امتدت إلى الطعن بطريقة مسيئة وغير لائقة على المقامات الدينية والسياسيّة والاجتماعيّة، والفكريّة، ولا نتكلم هنا عن الانتقاد الحر الموضوعيّ الهادف، بل عن التهكم والتنمر والطعن بالكرامة الشخصيّة حيث وصلت الأمور إلى حدود غير مقبولة، وخارجة عن أصول اللياقة والآداب الدينيّة والاجتماعيّة، وهو ما حذّر الله تعالى عباده منه ونهاهم عنه، بقوله: “وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ” أي الويل والعذاب الشديد لكل إنسان يغتاب أخيه ويطعن به ويزدريه وينقص من قدره بالإشارة أو القول أو الفعل.
وكذلك بالنسبة للمؤسسات الصحيّة والتربويّة والثقافيّة والاقتصاديّة الخاصة منها أو العامة، التي تخص أهلنا ومجتمعنا. فأسلوب الطعن العام والمطلق بكل شيء، وإطلاق الاتهامات بالسرقة والتزوير والغش، بشكل شامل وعام، من شأنه أن يهدّم تلك المؤسسات، وليس ثمة طروحات وبدائل أخرى لمشاريع أومؤسسات أو شركات، أو على الأقل رؤية إصلاحيّة عمليّة إلا ما ندر. وهنا نؤكد على ضرورة محاسبة الفاسد أو السارق إذا تمّ التثبّت من جرمه، ويجب عدم الدفاع عنه لأنه ينتمي إلى هذه الحزب السياسي أو ذاك، أو لأنه مقرّب من أحد المسؤولين. فالمجرم والمختلس للمال العام يجب أن يُعاقب ويكون عبرة لغيره، وكي لا يصبح هدر المال العام أو الخاص وسرقته عملا مبررا. أما الاتهامات العامة وغير المحددة والمُثبَّتة فلا تبني ولاتصلح، بل تُعرقل وتُعطل.
من جهة أخرى على أصحاب المسؤوليّة أن يكونوا على قدر مسؤولياتهم، وعليهم أن يعلموا أن موقعهم هذا هو لخدمة الناس وليس للتعالي عليهم، ولا يجوز أن يتم استغلال أي منصب لمكاسب خاصة أكانت مادية أو سياسيّة، فالمنصب مهما كان اسمه أو نطاق عمله فهو تكليف وليس تشريف، وعلى المسؤول التذّكر أن هذه الخدمة هي مدة زمنية محددة وسوف تنتهي، فعليه أن يتقي الله في منصبه، ويقوم بالخدمة كما ينبغي بدون منّة أو تحميل جميل لأي أحد فهذا واجبه ليس أكثر. ومن يؤدي واجبه فهو مأجور عند الله تعالى ومثاب إن شاء الله، ومشكور ومقدّر بنظر الناس، ومن يظلم الناس عن قصد وبسبب الأذيّة يكون تحت غضب الله تعالى وسخطه، كما قال عزّ وجلّ: “فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ”.
وأتوجه أيضا إلى المسؤولين على اختلاف أنواع مسؤوليتهم، أن تكون كلماتهم وتصريحاتهم مدروسة بعناية، وأن يخففوا من التدوينات السريعة على وسائل التواصل الاجتماعي، فقد تكون تلك التدوينات متسرعة أو غير دقيقة أو جارحة لا تليق بموقعهم ومكانتهم، فالكلمة منهم سواء في مقابلة مباشرة أو في تدوينة، قد تكون مفتاحا لفتنة، أو جالبة لإهانة، أو تؤدي لاعتداء على أهلنا. فبالله عليكم إن انزلق غيركم إلى مستوى هابط في التخاطب لا تتدنوا إلى مستواه. فكل كلمة يُُبنى عليها إما تواصل وتلاقٍ أو فتنة وتجافٍ، “فَكُلُّكُم رَاعٍ وكُلُّكُم مسؤُولٌ عن رعيَّته”.
وفي هذا السياق، سياق احترام الكلمة، انبرى عدد من الإخوة والأخوات للحديث عن الأمور الدينيّة، والشرح والتفصيل فيها، والطامة الكبرى أن الغالب الأعم منهم لا يمتلكون المعلومات الدقيقة والرؤية الشاملة والتعمّق الصحيح، بل يأخذون فكرة من هنا ورأيا من هناك ويبنون عليه خطابهم أو مقالهم فيبصبون ويخطئون وقد يكون خطأهم أكثر من صوابهم. والذي يستوقفني في هذا المجال، أن هؤلاء الإخوة يطالبون بأن يتحدث كل شخص في اختصاصه فقط، فلماذا لا يطبقون هذا المطلب على أنفسهم أولا؟ ومن جهة ثانية أقول لإخواني: إن العلم الناقص أشدّ خطرا من الجهل البريء، فإعطاء أية معلومة دينيّة بدون الإحاطة بها من كل جوانبها يكون ضررها على المستمع أكثر من نفعها.
وهناك من يقوم بالطعن على سَمْتٍ ديني بهدف الطعن على مسؤول سياسي، وعلى سبيل المثال: إن الأصل العربي والإسلامي الذي تؤكد المرجعيات الدينيّة عليهما، ليس توجها سياسيا آنيا، بل هو حقيقة تاريخيّة وثابتة دينيّة، مؤكدة بالأدلة والبراهين العلمية، منذ نشأت مذهبنا التوحيدي، مع انفتاحنا على علوم وحضارات أخرى ساهمت في تطور الفكر الإنساني وتمظهر وعيه. وعليه فإذا اتفق الرأي السياسي مع النهج الديني فلا يجوز الطعن عليهما معا بسبب رأينا الشخصي من مسؤول سياسي وأدائه، كما لا يجوز تغيير تاريخنا بناء على رغبات خاصة أو اجتهادات ظرفيّة، أو تحليلات ذاتيّة.
إخواني وأخواتي،
إن الواقع الذي نعيشه يتناقض بشكل كبير مع قيمنا وأخلاقنا وواجباتنا الدينيّة والاجتماعيّة، وهذا التناقض ليس فقط في مجال التشهير والطعن والإساءة، بل يمتدّ إلى ميادين أخرى من التفلّت من القيم الأخلاقيّة، والتهاون في الواجبات والعبادات، ووتفشي عادات دخيلة على مجتمعنا، التي لا تساهم إلا في تدهور القيم الحقّة. فالحريّة ليست في المجاهرة بالمعاصي والآثام، بل المجاهرة بها من أشد الإثم عند الله، لأنه يعمل على تعميم تلك المعاصي بين الناس، كما جاء في الحديث الشريف: “كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا كذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه”. وهذا الستر من الله تعالى من أعظم النعم على العبد، وهو سبيل للإنسان أن يعود إلى ربه ويستغفره، كما قال تعالى: “وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ”. فمن كان منا مبتلى بمعصية لله -مهما عظُمت أم صغُرت- فالحذر الحذر من المجاهرة بها، بل فلنقصد باب الله تعالى، الغفور الرحيم الستّار، قابل التوبة والإنابة.
أيّها الأحبة،
هذا نداء من محب صادق إن شاء الله، ليس له غاية إلا نشر الألفة والمحبة والصدق بين أهله، وتعميم الانتقاد البنّاء والهادف في مجتمعه، والتعاون المخلص للإصلاح كلّ من اختصاصه وخبرته. بالله عليكم فلنتقِ الله في كل كلمة نقولها وفي كل فعل نفعله، فنحن بأمس الحاجة لتظافر الجهود، كي نسطيع مواجهة التحديات الجمّة التي توجهنا وتواجه أولادنا لاسيما الصحيّة والتربويّة والاقتصاديّة والأخلاقيّة وأكرر الأخلاقيّة، لأننا نحن قوم نحيا بأخلاقنا فإذا هي ذهبت ذهبنا لاسمح الله.
ويشهد الله أنه من وراء القصد، ونية الإصلاح في بيتنا الداخلي كي لا يزداد الاعوجاج، ويصبح التشهير نهجا للشهرة، بل لنستقيم كما أُمرنا.
بقلم: الشيخ كامل العريضي/ لبنان

