تحدّ أو ظاهرة أو ما هو معروف بـِ “ترند” هو نمط من السلوك أو المحتوى يكتسب شهرة على الإنترنت. وعندما ينتشر بسرعة ويصل إلى جمهور واسع في وقت قصير نتيجة المشاركة والتفاعل الكبيرين، يتحول إلى صيحة فيروسية.
في سنة 2017، اجتاح تحدّ أو ظاهرة أو ما يسمّى بـِ “ترند” جديد عالم المراهقين الرقمي، فكان المراهقون يصوّرون أنفسهم وهم يعضّون كبسولات التنظيف Tide Pods وينشرون الفيديوهات على الإنترنت، فيما عُرف لاحقًا بتحدّي Tide Pod . وهناك ترند آخر اشتهر أولًا على يوتيوب عام 2012 ثم عاد للظهور على تيك توك عام 2019، وهوتحدّي القرفة، حيث يحاول الأشخاص—وخاصة المراهقين—ابتلاع ملعقة كبيرة من القرفة الجافة دون ماء. كلا الظاهرتين كانتا شديدتي الخطورة، وتسببتا بارتفاع كبير في دخول المستشفيات بين المراهقين الذين وقعوا ضحايا لهذه التحديات التي تبدو “لا تُقاوَم”.
من الواضح أن لهذه الظواهر أو التحدّيات (trends) نتائج سلبية، لكن هل كل الظواهر أو التحدّيات سلبية؟ ما الذي يجعل بعض الظواهر جذّابة إلى هذا الحد وتتحول إلى محتوى سريع الانتشار(viral)؟ أيعود ذلك إلى طبيعة الظاهرة أم إلى التحدي نفسه، أم إلى طبيعة البشر عمومًا—والمراهقين خصوصًا—التي تمنح هذه الظواهر قوتها؟
يبرّر الكثيرون اتباعهم للظواهر بمنطق داخلي غير واعٍ: “إذا كان الجميع يفعل ذلك، فلا بد أنه صحيح. وإذا كان الجميع يفعل ذلك، فلن يضر إن فعلته أنا أيضًا”. هذا التفكير ينبع مما يُسمّى الدليل الاجتماعي (Social Proof)، وهو واحد من عدة مفاهيم نفسية تفسّر الانتشار السريع للظواهر. فمع الدليل الاجتماعي، يرى الناس سلوك الآخرين مؤشّرًا على ما إذا كان السلوك صحيحًا. وكلما زاد عدد الأشخاص الذين يشاركون في سلوك معين، زاد تأثيره. وهذا يرتبط بمفهوم نفسي آخر خلف انتشار الظواهر والتحديات، وهو تأثير القطيع (Bandwagon Effect).
بهذا يصبح الشخص متّبعًا الترند أو الظاهرة لأنها مقبولة (فالآخرون يفعلونها)، ولأنها مؤثّرة (لأن عددًا كبيرًا يفعلها). ومع اتباع الظاهرة أو الترند، يشعر الشخص بالانتماء إلى المجموعة، مما يعزّز هويته وصلته الاجتماعية. ويصبح عدم الانتماء مخاطرة كبيرة لدى الكثيرين، لأنها تثير خوفًا إنسانيًا عميقًا: الخوف من الإقصاء أو الخوف من تفويت ما يفعله الآخرون (FOMO).هذا الخوف قديم ومتجذّر، إذ كان الإقصاء الاجتماعي لدى أسلافنا يعني خطر الموت. ولذلك، فإن اتباع الظواهر أو الترندز، يخفّف هذا الخوف ويمنح شعورًا بالانتماء. ويزيد المؤثّرون من قوة هذه الظواهر عبر تطبيعها ونشرها على منصّاتهم.
عقولنا ليست مهيّأة فقط لانتشار الظواهر أو الترندز، بل تكافئنا أيضًا عند ممارستها. فالمنظومة الدماغية المسؤولة عن المكافأة، المدفوعة بالدوبامين، تعزّز السلوكيات الرائجة، في حين تساعدنا الخلايا العصبية المرآتية على تقليد ما نراه. هذا النظام تطوّر قديمًا لتعزيز التماسك الاجتماعي، لكنه اليوم يُستغل عبر مصمّمي منصّات التواصل الاجتماعي، فالتحدّيات المنتشرة تستهدف هذه الثغرات مباشرة، وغالبًا ما تُصمّم لتكون جذّابة وقابلة للتقليد والإدمان.
أما التأثير السلبي لاتباع الظواهر أو الترندز بشكل أعمى، فيكون أشد على الأطفال والمراهقين، لأن أدمغتهم—وخاصة الجزء المسؤول عن اتخاذ القرارات—لا تزال في طور النمو. ويمكن للظواهر الاجتماعية والترندز أن تضعف قدرتهم على التفكير النقدي، ما قد يسبب إرهاقًا ذهنيًا، وتدنّي احترام الذات،وزيادة القلق والاكتئاب، وأزمات هوية بسبب ضغط التوافق، وغيرها من التأثيرات النفسية.
وبالإضافة إلى طبيعتنا البشرية التي تغذّي انتشار الظواهر وبالأخص المؤذية منها، فإن بعض خصائص الظواهر نفسها تسهم في انتشارها. فتصميمها الصادم، وخطورتها، واستهدافها لنقاط ضعفنا النفسية والعصبية، وتشجيع المؤثرين عليها، والمنصات المصمّمة لجذب الانتباه، إضافة إلى استهدافها فئات ضعيفة جدًا—المراهقين والأطفال— تجعل انتشارها مضاعفًا وسريعًا.
وفي المقابل تمامًا، انتشرت ظاهرة أو ترند من نوع مختلف عام 2014: تحدّي دلو الثلج (Ice Bucket Challenge). فقد امتلأت الشاشات بأشخاص يسكبون دلاء من الماء المثلّج على رؤوسهم بهدف واضح: رفع الوعي بمرض التصلب الجانبي الضموري ALS وجمع التبرعات لأبحاثه. أطلق هذا التحدي مريضان أمريكيان بـALS، وكان ذا أثر إيجابي حقيقي، إذ جمع حوالي 220 مليون دولار، وساهم في اكتشاف جين NEK1، وسرّع أبحاث المرض بما لا يقل عن عقد كامل. هذا مثال على ترند إيجابي ذو هدف واضح (حتى لو استُخدم ترفيهيًا عند البعض). ما يميّز هذا الترند أمران: هدفه الإنساني الواضح، وأن جمهوره كان من البالغين.
الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ومعها الذكاء الاصطناعي اليوم، ستبقى دائمًا سلاحًا ذا حدّين. فكما أن تحدي Tide Pod وتحدي القرفة كانا ضارين، يمكن لتحديات وظواهر أخرى مثل تحدي دلو الثلج أن تحقق نتائج إيجابية. فوضوح الهدف، والتأثير الواقعي، والقيمة الاجتماعية، والاعتبارات الأخلاقية، كلها عناصر أساسية لصناعة ترندات مفيدة. والأهم من ذلك، الجمهور المعني بالتحدّيات والذي يجب أن ينحصر بالبالغين، فبسبب طبيعة دماغ المراهقين والأطفال الذي يميل إلى المخاطرة، وسهولة تأثره، وضعفه في في ضبط الاندفاع، يجب الحدّ من تعرّض الأطفال والمراهقين لوسائل التواصل—وخاصة التحديات المنتشرة—إلى أن تكتمل لديهم الوظائف التنفيذية التي تسمح باتخاذ قرارات واعية وتجنّب النتائج الكارثية لبعض الظواهر والتحدّيات .
سواء أكان تأثير انتشار الظواهر وسرعتها (أو ما يسمّى بالتحدّيات أو الترندز) مدفوعا بآليات دماغية، أم بانحيازات معرفية، أم بحاجات عاطفية، أم بروح العصر الرقمي المتسارع، فالترندات ستبقى جزءًا من حياتنا. الحل ليس في إلغائها، بل في التعامل معها بوعي. وعلى البالغين أن يمارسوا الوعي الذاتي، وينتقوا منها ما يتبعونه، ويتأكدوا من توافقها مع قيمهم الأساسية بدلًا من اتباع أي ظاهرة أو ترند تحت راية هوس الشهرة والانتشار.
بقلم: الأستاذة منال أبو كروم/ لبنان
مختصة في علم النفس.

