كان شيخا جليلا تقيا ورعا، وهو جد آل حمادة في بعقلين، باع بيته وأملاكه فيها إلى آل العيد من عين زحلتا، وتتلمذ للأمير السيد، وكتب سيرة حياته[1]، وفي كتابته ما يدل على محبته للسيد وإخوانه التلاميذ، حيث عبر بكلمات وعبارات، ملؤها المحبة والشوق والتكريم والتقدير عنهم وكيف تعرف كل منهم على السيد الأمير. وأما كلامه عن استاذه ومعلمه، فيدل على عمق العشق والتعلق العظيم به.
لقاؤه الأول مع السيد الأمير (ق):
يقول الشيخ أبو علي مرعي: وأنه لما كان في بعض الأوقات، عزم السادة المذكورون وهم المرحوم الرئيس النفيس الشيخ ناهض الدين، والمرحوم الشجاع الرزين الشيخ شرف الدين، والشيخ المبدوء بذكره علم الدين (سليمان) على زيارة الأمير القيْل الأصيل، ذي العقل والحياء والتصديق، محيي الزمان السيد الجليل الرفيع الشأن، الأمير جمال الدين عبدالله ابن الأمير علم الدين سليمان، وكانت بلدة المملوك[2] في دربهم، فمنوا عليه بفضلهم، وشملوه بعطفهم، وسألوه في التوجه إلى الزيارة والتبرك والاستفادة، وكان عمر المملوك قريبا من عُمْريْ السيدين الناهض والشرفي، تغمدهما الله برحمته، ولكن كان لهما قوى وطباع وأخلاق وفهم فوق ما للمملوك، وآباؤهما كرام. وصحب المملوك المذكورين إلى زيارة الأمير المشار إليه، ولما وصلوا إلى منزله تلقاهم أحسن لقاء، وأقبل عليهم، ولطف بهم، وآنسهم وحدّثهم، وكان المملوك دون البلوغ، ووجد من مقابلته هيبة عظيمة، وهو يحدث المملوك باللين والوعظ والرفق، فكان الخوف منه، إجلالا وتهيباـ كما يخاف من الأسد، وهيبته تملأ القلوب والأجساد. وله ألفاظ عذبة، وحركة خفيفة، ومعانٍ لطيفة. ثم عدنا إلى منازلنا والقلوب تعي ما رأت العيون وسمعت الأذن[3].
تأثره بفقد الأمير السيد ورفاقه المشايخ:
ويضيف الشيخ أبو علي مرعي: وقد توجهت إلى التربة والعين دامعة، والمدامع سائلة، وسمعت قراءة القرآن، وعرفت خصائص أهل الفضل والإيمان، وقد ذكرت إلى حين حلول هذا المصاب (وفاة السيد)، مصائب فقدنا شيوخ الزمان، حتى وقع هذا المصاب العميم، فأصاب من الفؤاد الصميم، ومن العين السواد، فيا لحرقة القلوب، وتفتت الأكباد، وقد أصبحت العين مشلولة، واليد مغلولة، والفكر ساهيا، حين فقدنا عميدنا ورشيدنا، وإمامنا وهادينا ودليلنا، وفقدنا سادات البلاد، أوتاد العماد، وأهل التوفيق والسداد والخير والرشاد. فطالما كشفوا أغمارها، وجلوا غبارها، وخاضوا تيارها، وحلوا مشكلاتها، وأوضحوا مبهماتها، وكل منهم رفيع العماد، واري الزناد، عظيم السداد، ذو حسب صميم، وطريق مستقيم، يعطي قبل السؤال، ويجود قبل المقال، والدنيا بهم زاهرة، وأحكام سيدهم وأميرهم عليهم ظاهرة، وفضائله زاهرة باهرة.
وبعدهم أصبح الباطل معاندا للحق والحق ذابلا، والأشرار بالسماء، والأبرار بباطن الثرى، وحاكمهم بالهوى وقاضيهم بالبلاء، وذلك تصديقا لما جاء به ارسطوطاليس الحكيم حين سألته التلامذة: ما الذي أضاع حسنات العامة؟ فقال: إن عاملهم عمل برأيه فيما تتم به الذنوب، وحليمهم إنما يحلم عن مستوجب العقاب، وصادقهم إنما يخبر عن السيئات، وجوادهم إنما يقوي الفجور، وسامعهم إنما يصغي إلى الأباطيل، فصار ذلك كله منهم ضائعا.
وأما المملوك بعد حلول هذه المصائب والنوائب، فقد نبا عنه الصديق، وجفاه الصاحب والرفيق، ونادى مناديه بالتشتيت والتفريق، وفقد مستقره في أوطانه، ومقامه في أهله وجيرانه، وأترابه وإخوانه. وتغلغلت في صميم فؤاده نيرانه وأحزانه، تكويه ذكرياته وأشجانه، وذلك مما يرى ويسمع ويمر في مخيلته وأفكاره. ويورد ذلك لحكام البلاد، وينهاهم عن مجاري العبث والفساد، ويذّكر مشايخه بمواقف السيد المرحوم وشيوخه، وما أصله وبيّنه وأوضحه وصرحه، كل ذلك معقود بكتاب الله وآياته لا يغادر صغيره ولا كبيرة، وهم لا يجيبون دعواي، ولا يلبون نداي. ومع هذا الخذلان ها أنا أجد راحةً بزيارة قبره، ومواقف ذكره، ومشاهدة مكان قيامه وقعوده، وحركاته وسكونه، وجماله وهيبته، وبأذني سماع ألفاظه، وبحافظتي رواياته وآثاره، وبفكري حِكَمه وتلخيص معانيه وأفضاله. وهي بحافظتي مودوعة، وفي كنزي مذخورة. فما كان من الإصابة وما تأتي عليه هذه الجوارح والقوى من المسموعات والمرئيات والفكريات والمعبّرات وحسن المثابة فهو منه وبه وإليه، وتصدقه وإنعامه وإحسانه وإفضاله، وما عدا ذلك فلغلبة الهوى الهالك المردي، ونسأل الله بخير مسؤول وأفضل مأمول، العفو والمغفرة وحسن القبول، وأن يحسن لنا ولإخواننا العقبى، ويخلصنا من دار البلوى، وأن يجعل بلوى الدنيا لنا سببا لثواب الآخرة، والآخرة عوضا عن بلوى الدنيا، وأن يجعلنا من المقبولين، ولا يجعلنا من النادمين، ويقعدنا مقعد صدق مع سيدنا صاحب هذه الأوصاف في مقام آمين، وأن يجعلنا من العاملين الحامدين الشاكرين، لما تلاه علينا من كلام رب العالمين، وبجاه سيد المرسلين، والحمد لله أولا وأخرا[4].
وفاته رضي الله عنه:
كانت وفاته في أوائل القرن العاشر الهجري[5].
بقلم: الشيح كامل العريضي.
[1] مناقب الأعيان، الشيخ أبو صالح فرحان العريضي، منشورات مدرسة الإشراق عاليه، الجزء الأول، ص: 123 – 124.
[2] المملوك قصده عن نفسه الشريفة، وهو تعبير يستعمل دلالة على التواضع وصغر النفس. والمملوك أي عبد لله سبحانه وتعالى.
[3] سيرة العارف بالله السيد الأمير جمال الدين عليه رضوان الله، الشيخ أبو علي مرعي، ص: 22 – 23.
[4] المصدر السابق، ص: 42 – 43 – 44 – 45.
[5] مناقب الأعيان، الجزء الأول، ص: 126.

