استروا العثرات واجبروا القلوب

استروا العثرات واجبروا القلوب

الحمد لله الذي جعل الستر من شيم الكرام، والعفو من شواهد الإيمان، وجعل للزلّة بعد الندم باباً، وللذنب بعد الإنابة مآباً، وللقلب إذا انكسر بين يديه جَبراً لا يراه الناس.

أما بعد،

فإن من أعجب ما في هذا الزّمان، أن تضيق صدور النّاس عن غفلات بعضهم البعض، وتتّسع أعينهم لتصيّدها، فتصبح الهفوة وصمة، والخطأ حكماً نهائياً لا انقضاء لمدته. وقد ترى أخاً ابتلاه الزمن بغفلة عابرة، وقد كان في غالب أموره مقتصداً، وعن مواطن الشبهة مجتنباً، وفي سبيل رزقه مكابداً حريصاً على حلاله، وفي طريقه إلى ربه مستتراً بستر الله، متحملاً ما لا يراه الناس من أثقال الأيام وأوجاعه؛ ثم إذا ما عثرت به قدم، قامت عليه الظنون مقام البينات، وغاب من أعين الناس ما عرفوه منه من جميل.

فيا للعجب!

كيف تُنسى أعوامٌ من الإحسان، وتُستحضر لحظةٌ من النقصان؟

وكيف يُمحى البياض كله لأن في الثوب موضعاً من سواد؟

وكيف يُغلق باب الرجاء على من فتح الله له باب الإنابة؟

أليس الإنسان ابن ضعفه قبل أن يكون ابن قوته؟

أليس قد يخطئ اليوم من كان يعظ بالأمس، ويضعف ساعةً من كان صلباً في ساعات؟

ومن منا يمشي في هذه الدنيا ولا تتعثر خطاه؟ ومن منا يطلب من الناس الستر وهو لا يخلو من سترٍ يحتاجه من رب الناس؟ إننا نعيش زمناً كثرت فيه المحاكم، وقلّت فيه الأعذار؛ كثر فيه النظر إلى عيوب الآخرين، وقلّ النظر إلى عيوب النفس. نفتش في دفاتر الناس، ونغلق دفاترنا، نُحصي زلاتهم، ونستكثر حسناتنا، ونطلب منهم الكمال، ونحن أول العارفين بنقصنا.

وما أحوجنا اليوم إلى أن نتعلم فقه الستر قبل فقه الحكم، وأدب العذر قبل سرعة الاتهام، وحسن الظن قبل إطلاق الأحكام. فليس معنى الستر أن نبرر الخطأ، ولا معنى حسن الظن أن نعطل العقل، ولكن معناه أن نترك للإنسان مساحةً، ووجهاً لا يخجل أن يلقانا به بعد أن ينوب.

فإن رأينا أخاً زلّ، فلنسأل أولاً: كم مرةً رأيناه ثابتاً؟

وإن رأينا منه تقصيراً، فلنسأل: كم موقفاً وقف فيه معنا؟

وإن بلغنا عنه ما نكره، فلنسأل: هل نملك كل القصة، أم أننا نملك جزءاً منها فقط؟

فلعل وراء الصمت وجعاً لا نعلمه، ووراء التقصير عذراً لا نراه، ووراء الهفوة قلباً منكسرًا لا يريد إلا أن يجد يداً تأخذ به إلى الطريق. إن هذا الزمن ليس بحاجة إلى مزيد من القسوة؛ فقد أثقل الناس بما يكفي. ولا يحتاج إلى مزيد من الشك، فالقلوب قد أرهقها الخوف. ولا يحتاج إلى مزيد من التفريق، فالطريق أمامنا طويل، والريح من حولنا عاتية، والسفينة لا تنجو إذا أخذ كل واحدٍ فيها يلوم الآخر على موضعٍ في الخشب، وترك الثقب الذي يتسرّب منه الماء.

الإخوان كالبنيان؛ يشدّ بعضهم بعضاً، فإذا وهنت لبنةٌ أسندتها أخرى، وإذا مال جدارٌ أقامه جدار، وإذا انكسر قلبٌ وجد في إخوانه جبراً لا كسراً، ورفقاً لا عنفاً. فلنكن لبعضنا ستراً حين ينكشف الطريق، وكتفاً حين يثقل الحمل، وعذراً حين تضيق الحيلة، ونصحاً حين تزلّ القدم، ورحمةً حين يقسو الزمان.

ولنتذكر أن الذي يستر أخاه اليوم قد يحتاج إلى ستره غداً، وأن الذي يرحم ضعفه اليوم قد يجد رحمته غداً بين يدي الله. فما أحوجنا أن نتواصى بحسن الظن، وأن نحمل كلام إخواننا على أحسنه ما وجدنا إلى ذلك سبيلاً، وأن نبحث عن سبعين عذراً قبل أن نبحث عن سببٍ واحدٍ للإدانة.

وليس أعظم من قلبٍ يرى العثرة، فيمد يده؛ ويرى التقصير، فينصح؛ ويرى الضعف، فيرحم؛ ويرى الندم، فيعفو. ربّ عيبٍ ستره الله عن الناس، ولو كُشف، لما بقي لأحدٍ منا موضع فخر. وربّ ذنبٍ رأيناه في أخينا، ولعل له عند الله من ندمه وانكساره ما يرفعه فوق من عابه واحتقره.

أصلحوا، نعم؛ ولكن لا تجعلوا من الإصلاح فضيحة، ولا من النصيحة مذلة، ولا من الغيرة على الحق ذريعةً لإهانة الخلق. وحسن الظن مع وجود الاحتمال ليس سذاجة؛ إنه أدب القلب.

ويا من بلغك عن أخيك ما يسوؤك، تأنَّ؛ فكم من حقيقةٍ قتلها الاستعجال، وكم من بريءٍ ظلمه خبرٌ لم يُتحقق منه.

اللهم، إن كنا قد أثقلنا ظهور بعضنا بالعتب، فأخفف عنا ثقل الحساب.

وإن كنا قد رأينا زلات إخواننا، فذكّرنا بزلاتنا.

اللهم اجعل بيننا مودةً لا تفسدها هفوة، ورحمةً لا تقطعها عثرة، ونصحاً لا يجرح، وعتاباً لا يهدم، وقلوباً إذا اختلفت لم تتباغض، وإذا غضبت لم تظلم، وإذا قدرت لم تنتقم.

بقلم: الأستاذ الشيخ رامي حمص


اكتشف المزيد من سراج المعرفة

اشترك ليصلك أحدث المقالات والمواضيع إلى بريدك الإلكتروني.