الأخلاقُ روح الحضارة وسرُّ بقاء الأمم

الأخلاقُ روح الحضارة وسرُّ بقاء الأمم

إذا نظرنا إلى عظمة الخالق الفاطر لهذا الكون الفسيح، وفلسفة النظام الضابط له، لابد لنا إلا أن ننظر إلى أَهم الضوابط الأساسيّة المؤثرة فيه ألا وهي القيم والأخلاق .

مما لا شكّ بأنّ الأخلاق هي سمَة المجتمعات الرّاقية المتحضّرة حقا، فأينما وجدت الأخلاق فثمّة الحضارة والرّقي والتّقدم، وحينما أرسل الله تعالى الأنبياء الصالحين جعل من مهمّات دعوتهم وصميم رسالتهم أن يتمّموا مكارم الأخلاق ويكمّلوها بالفضائل والقِيَمِ التي قامت عليها الحضارات الحقيقية. والأخلاق الحسنة هي هدف وحالة إنسانيّة سلوكيّة يسعى كثيرٌ من النّاس الباحثين عن الكمال للوصول إليها وإدراكها، والأخلاق ترفع درجة الإنسان في الحياة الدّنيا وفي الآخرة. فمن ها هنا كان التنويه عن معرفة أداب الدين قبل الدين، وهي الفضائل الاخلاقية السمْحَاء. فالله جلَّ وعلا يحب معالي الأخلاق ومكارمها ويكره سفسافها ودنيّها. فالنّاس يحبّون صاحب السِّمة الحسنة الحميدة ويتقرّبون إليه ويتمنّون صحبته وصداقته، ويركنون إليه لصدق سجيته ولين عريكته، وهي ترفع درجة المؤمن عند ربّه جلّ وعلا، بل تجعله محببا لقلوب الناس جميعا.

 يتساءل النّاسُ عن أهميّة الأخلاق في المجتمع، ولا شكّ بأنّ أهميّتها كبيرة تتعلّق بجوانب متعدّدة من جوانب الحياة وسلوكيّات الأفراد. فالأخلاق هي رافعة المجتمع، المؤثرة في تمتين أواصره وشدِّ وشائجه. فحين تكون الأخلاق الحميدة موجودة في سلوكيّات أيّ مجتمع من المجتمعات فهذا يعني أنّ هذا المجتمع متحضّر متمدّن حقا، يسعى للتّقدم والرّفعة بين الأمم، كما أنّ الأخلاق هي معيار بقاء للأمم والحضارات، كما قال الشاعر:

 إنّما الأمم الأخلاق ما بقيت                        فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 إنّ النّاظر في تاريخنا العربيّ يدرك أنّ كثيراً من الممالك العربية والإسلاميّة التي تأسّست في مراحل مختلفة من مراحل الحياة سقطت وذبلت زهرتها بسبب ابتعادها عن أخلاقها وقيمها الدينية والاجتماعية، ومثال على ذلك حضارة الأندلس حيث ابتعدت في آخر عهدها عن القيم والأخلاق، فحكمت الماديات والأهواء النفوس، وهذا ما عجّل بسقوطها.

فحين ترى إنساناً يتمتّع بالأخلاق الحميدة ترى إنساناً معطاءً قادراً على البذل والتّضحية من أجل مجتمعه وأمّته وبنو جلدته، وهي تجعله أيضا شاعراً متحملا للمسؤوليّة والواجب اتجاه مجتمعه ووطنه. وكذلك فإن الأخلاق تعتبر أساس الحياة المدنيّة، فحينما يتمتّع الأفرادُ في المجتمع بأخلاقيّات التّعامل من صدق في الحديث والوعد والأمانة والوفاء…، ترى ايجابيّات ذلك رقيًّا وتمدّناَ وإزدهارا. كما تؤدّي إلى التّكاتف والتّعاضد والمؤاثرة بين أفراد المجتمع، فحينما تسود الأخلاق ترى معانيها متجليّة في علاقات الأفراد مع بعضهم البعض، حيث يتراحمون بينهم ويشعرون بحاجة الفقير والمسكين، ويسود الأمن والسلام، ويأمن الإنسان على نفسه، وتنشأ بينه وبين النّاس العلاقات القويّة المبنيّة على الصدق والثّقة بسبب وجود فضيلة الأمانة بين النّاس.

 جعلنا الله جميعاً وإياكم ممّن يتمتّعون بالأخلاق الحسنة في قولهم وعملهم، وممن يستمسكون بالعروة الوثقى، ولا يهِنون بالمزالق الأشقى، برفع لواء الدائم الأبقى.

بقلم: الشيخ نسيب يوسف عربي


اكتشف المزيد من سراج المعرفة

اشترك ليصلك أحدث المقالات والمواضيع إلى بريدك الإلكتروني.