الحمدُ للهِ القديمِ الأزَل، المسرمدِ بأُحاديّةِ ذاتِه، الكريمِ بآلائِه ومعجزاتِه، حمداً يليقُ بكمالِ قُدسِه وقدسِ كمالِه…
وبعد…
فإنّ التوحيد هو أعظمُ ما يُدرك، وأعسرُ ما يُنال؛لا لأنّه بعيد، بل— ولعلّ هذا هو موضع الحيرة— لشدّة قربه… لأنّه يجمع بين ما يتناقض في نظر العقل: وحدة لا تُشبه كثرة، وقُرب لا يُدركه بُعد، وظهور لا يُحيط به نظر. فكلّما ظنّ الإنسان أنّه أحاط به علماً أو أمسك بطرفٍ منه، انفلت منه المعنى وأدرك أنّ الجهل به أقربُ من علمٍ موهوم.
فلمّا كان التشوّفُ إلى الشيء ميزانَ قدره في النفس، كان الأولى – أو لعلّه الأوجب – أن يُصرف هذا التشوّف إلى ما بَطُن فينا، لا إلى ما غاب عنّا. إذْ كيف يطلب المرء سرَّ التوحيد، وهو لم يُوحِّد نفسَه من تنازعها؟ أوليس الأولى أن يُوجّه شوقه إلى ما استتر في باطنه، إذ كيف يطلب الإنسانُ سرَّ التوحيد، وهو لم يُوحِّد نفسَه بعد من أهوائها؟ وكيف يتطلّع إلى كشف الغيوب، وهو غائبٌ عن نفسه، محجوبٌ عنها بحجاب العُجب وسوء الظنّ وحبّ الجاه.
إنّ النفس مفارقةٌ قائمة: تطلب الكمال وهي مشدودة إلى النقص، وتزعم الصفاء وهي مأوى الكدر، وتدّعي المعرفة وهي لم تُحسن بعدُ سؤال ذاتها… وعلى هذا الديدن تراها تُريد العلوّ وهي مُثقَلة، وتطلب الصفاء وهي مُكدَّرة، وتزعم المعرفة وهي جاهلةٌ بذاتها. ومن هنا، كان البحث عن عيوبها ليس سقوطاً في النقص، بل ارتقاءٌ إلى أصل الكمال.. لأنّ من عرف حدَّه، تجاوز حدَّه، ومن جهل نفسه، ظنّها غايةً وهي أدنى. ومن هنا، كان النظر واستكشاف عيوبها -كالعجب وسوء الظنّ وحبّ الجاه- ليس انحداراً، لأنّ من رأى نقصه، انفتح له بابٌ لم يكن يراه.
وفي ميزان العقل -إن صحّ هذا الميزان- يكون الاشتغالُ بإصلاح الباطن أرفع من اقتحام الغيوب؛ لأنّ الأوّل يعيد الإنسان إلى نفسه، أمّا الثاني فقد يُبعده عنها وهو يظنّ أنّه يقترب. فالتشوّفُ إلى العيوب حياةٌ للقلب، أو كأنّه كذلك، أمّا التشوّفُ إلى الغيوب، فكثيراً ما يحمل في طيّاته طلباً خفيّاً للتميّز، وإن لبس لبوس المعرفة.
وهنا تتجلّى مفارقة لا يسهل تجاوزها: كلّما ازداد الإنسان التفاتاً إلى نفسه الأمّارة بالسوء، ازداد بُعداً عنها، وكلّما حاول التخلّي عنها، اقترب منها على وجهٍ لم يكن يتصوّره. فكأنّ الرّكون إليها اغتراب، والتجرّد منها اقتراب.
وما حُجِب عنّا من أنوار الحقّ ليس خفاءها، بل شدّة ظهورها، حتى صارت، لكثرة حضورها، كأنّها غائبة. فالمشكلة ليست في النور، بل في العين التي ألفت الظلمة حتى صارت تراها أصلًا.
فكأنّ الحقَّ ظاهرٌ في كلّ شيء، مستترٌ عن كلّ شيء؛ ظاهرٌ لمن صدق، ومستترٌ عمّن طلبه بنفسه. وهذه أعظم مفارقات التوحيد: أنّه أقرب إلينا من أنفسنا، ومع ذلك أبعد ما نكون عنه حين نبحث عنه بأنفسنا.
وإنّ الصفقة الرابحة -إن جاز التعبير- ليست في تحصيل المعارف، بل في التخفّف ممّا يحجب عنها؛ لأنّ الامتلاء بالنفس فراغ، والفراغ منها امتلاء. ومن خفّ حمله من أوهامه، ثقل ميزانه بمعانيه، ومن اشتغل بعيوبه، كُفي ما سواها. فمن أصاب قلب المعنى، لم تفتنه الأطراف، ومن استبان له المقصد، لم تُشتّته الطرق، ومن استخرج مساوئ نفسه، سلم -أو كاد- من غوائلها. لأنّ أعظم الغيوب في الإنسان؛ وأخطر الحُجُب ليس ما يُغطّي الحقّ، بل ما يُزيّن الباطل في النفس.
وهكذا، يكون الطريق إلى التوحيد ليس في جمع، بل في محو التعلّقات واكتشاف الذّات؛ وليس في إدراك الغيب أو الاحاطة بالوجود، بل في إدراك العجز عن الإدراك والتحرّر من وهم الإحاطة. ومن وقف عند هذا الحدّ، أدرك أنّ الحقيقة لا تُملك، بل تُشهد، وأنَّ أعظم الغيوب هو الإنسان نفسه، وأنّ كشفه لها هو أوّل الطريق إلى كلّ كشفٍ بعدها.
بقلم: الأستاذ الشيخ رامي حمص

