التّوحيد ونور الأنسنة الرّاقية

التّوحيد ونور الأنسنة الرّاقية

ليست القيم التوحيدية مجموعةً من الوصايا الأخلاقية فحسب، بل هي مسارٌ وجوديٌّ يهدف إلى إعادة الإنسان إلى مركزه الحقيقي في الكون؛ مركزِ الكائنِ الساعي إلى معرفة الحقيقة والارتقاء نحو الكمال الممكن. فالتوحيد في أعمق معانيه ليس مجرد الإقرار بوحدانية الله، بل هو توحيدٌ للرؤية والغاية والوجدان، بحيث لا يبقى في النفس تشتّتٌ بين الحق والباطل، ولا صراعٌ بين ما تعرفه الروح وما تمارسه الإرادة..

ومن هنا تصبح الطاعةُ فعلَ محبةٍ واعية، لا استسلامًا أعمى. فالإنسان لا يطيع الله لأنّه يخشى العقاب فحسب، بل لأنّه يدرك أن الحكمة الإلهية هي المنبع الأعلى للخير والجمال والحق. وكلما ازداد اقترابًا من هذه الحكمة ازداد تحررًا من أهوائه، واتسعت بصيرته لرؤية المعاني الكامنة وراء ظواهر الأشياء..

إنَّ الارتقاء الروحي في الفكر التوحيدي هو انتقالٌ دائم من حدود الأنا الضيقة إلى أفق الإنسانية الرحب، ومن أسر الرغبة إلى حرية المعرفة، ومن الانشغال بالمظهر إلى إدراك الجوهر. فالقيمة التوحيدية لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما تُحدثه في النفس من تحوّل يجعل الإنسان أكثر عدلًا ورحمةً وصدقًا واتزانًا..

وعندما يتأمل الإنسان في أسماء الله وصفاته من رحمةٍ وحكمةٍ وعدلٍ وإحسان، فإنّه يسعى إلى التخلّق بهذه المعاني على قدر طاقته البشرية؛ لا بمعنى المماثلة أو المحاكاة الحرفية لله، فالله منزَّه عن مشابهة خلقه، وإنما بمعنى الاقتداء بالقيم التي تعبّر عن الكمال الإلهي. وهنا يصبح الإنسان مشروعَ ارتقاءٍ دائم، يزداد إنسانيةً كلما ازداد قربًا من معاني الخير والحق والجمال..

إن المسالك التوحيدية الحقيقية ليست طرقًا خارجيةً فقط، بل هي رحلةٌ في أعماق النفس: تبدأ بالمعرفة، وتنمو بالتأمل، وتترسّخ بالمجاهدة، وتثمر حكمةً وسلامًا داخليًا. ففي كل انتصارٍ على الأنانية توحيدٌ، وفي كل موقفٍ من العدل توحيدٌ، وفي كل كلمةِ صدقٍ توحيدٌ، لأنّ النفس في تلك اللحظات تنسجم مع مقصدها الأسمى وتقترب من نور الحقيقة..

وهكذا يغدو التوحيد نبضًا حيًّا في الوجدان، لا فكرةً مجرّدة في العقل؛ نبضًا يُعلّم الإنسان أن الحياة ليست ساحةَ امتلاكٍ بل ميدانَ ارتقاء، وأن الغاية ليست جمعَ ما يفنى، بل بناءَ ما يبقى. وعند هذا الأفق يكتشف الإنسان أن المعرفة الحقّة هي التي تُثمر حكمة، وأن الحكمة الحقّة هي التي تُثمر محبة، وأن المحبة الحقّة هي التي تقوده إلى السير في دروب النور، حيث تتجلّى القيم التوحيدية بوصفها طريقًا إلى كمال الإنسان، وإلى شهود الجمال الكامن في الوجود، وإلى العيش في حضرة المعنى الذي يمنح للحياة غايتها وبهاءها…

بقلم: الاستاذ هيثم عربيد.

مدير مكتبة الأمير شكيب أرسلان الدوليّة، المكتب الثقافي التربوي.


اكتشف المزيد من سراج المعرفة

اشترك ليصلك أحدث المقالات والمواضيع إلى بريدك الإلكتروني.